باب صفة النار وأنها مخلوقة
( باب صفة النار وأنها مخلوقة ) غساقا يقال غسقت عينه ويغسق الجرح وكأن الغساق والغسق واحد أشار به إلى ما في قوله تعالى : إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا قوله : " يقال غسقت عينه " إذا سال منها الماء البارد ، وقال الجوهري : غسقت عينه : إذا أظلمت ، وغسق الجرح : إذا سال منه ماء أصفر ، ويقال : الغساق : الماء البارد المنتن ، يخفف ويشدد ، وقرأ أبو عمرو بالتشديد والكسائي بالتخفيف ، وقيل : الغساق قيح غليظ ، قاله عبد الله بن عمرو ، قال ابن دريد : هو صديدهم تصهرهم النار ، فيجتمع صديدهم في حياض فيسقونه ، وقال ابن فارس : الغساق ما يقطر من جلود أهل النار ، وقيل : بارد يحرق كما تحرق النار ، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا الحميم الماء الحار ، والغساق ما همي وسال ، وفي حديث الترمذي والحاكم عن أبي سعيد مرفوعا " لو أن دلوا من غساق يهراق إلى الدنيا لأنتن أهل الدنيا " .
قوله : " كأن الغساق والغسق واحد " هكذا ج١٥ / ص١٦١في رواية الأكثرين : الغسق بفتحتين ، وفي رواية أبي ذر : الغسيق على وزن فعيل ، وقد تردد البخاري في كون الغساق والغسق واحدا ، وليس بواحد ، فإن الغساق ما ذكرناه من المعاني ، والغسق : الظلمة ، يقال : غسق يغسق غسوقا ، فهو غاسق إذا أظلم وأغسق مثله . غسلين كل شيء غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين فعلين من الغسل من الجرح والدبر أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ وقد فسره بقوله كل شيء إلى آخره ، وهكذا قال أبو عبيدة ، وقد روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : الغسلين صديد أهل النار . قوله : " فعلين " أي وزن غسلين فعلين ، والنون والياء فيه زائدتان .
قوله : " والدبر " بفتح الباء الموحدة ، وهو ما يصيب الإبل من الجراحات . ( فإن قلت ) : بين هذه الآية وبين قوله تعالى : لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ معارضة ظاهرا . ( قلت ) : جمع بينهما بأن الضريع من الغسلين ، أو هم طائفتان ، فطائفة يجازون بالطعام من غسلين بحسب استحقاقهم لذلك ، وطائفة يجازون بالطعام من ضريع كذلك ، والله أعلم .
وقال عكرمة حصب جهنم حطب بالحبشية ، وقال غيره : حاصبا الريح العاصف ، والحاصب ما ترمي به الريح ، ومنه حصب جهنم يرمى به في جهنم هم حصبها ، ويقال حصب في الأرض ذهب ، والحصب مشتق من حصباء الحجارة تعليق عكرمة وصله ابن أبي حاتم من طريق عبد الملك بن أبجر ، سمعت عكرمة بهذا وأخرجه ابن أبي عاصم ، عن ابني سعيد الأشج ، حدثنا وكيع عن سفيان ، عن عبد الملك بن أبجر ، سمعت عكرمة ، وقال ابن عرفة : إن كان أراد بها حبشية الأصل سمعتها العرب ، فتكلمت بها ، فصارت حينئذ عربية ، وإلا فليس في القرآن غير العربية ، وقال الخليل : حصب ما هيئ للوقود من الحطب ، فإن لم يهيأ لذلك فليس بحصب ، وروى الفراء عن علي وعائشة رضي الله تعالى عنهما أنهما قرآها " حطب " بالطاء ، وروى الطبري عن ابن عباس أنه قرأها بالضاد المعجمة ، قال : وكأنه أراد أنهم الذين تسجر بهم النار ؛ لأن كل شيء هيجت به النار ، فهو حصب . قوله : " وقال غيره " أي غير عكرمة حاصبا ، أي في قوله تعالى : أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا هو الريح العاصف الشديد ، كذا فسره أبو عبيدة . قوله : " والحاصب " ما ترمى به الريح ؛ لأن الحصب الرمي ، ومنه حصب جهنم يرمى به فيها ، ويقال الحاصب العذاب .
قوله : " هم حصبها " أي أهل النار حصب جهنم ، وهو مشتق من حصبهاء الحجارة ، وهي الحصى ، قال الجوهري : الحصباء : الحصى ، وحصبت الرجل أحصبه بالكسر ، أي رميته بالحصباء . صديد قيح ودم خبت طفئت أشار به إلى ما في قوله تعالى : كُلَّمَا خَبَتْ وفسره بقوله : طفئت ، بفتح الطاء وكسر الفاء ، يقال : طفئت النار تطفأ طفأ ، وهو من باب علم يعلم من المهموز وانطفأت وأنا أطفأتها ، وقال أبو عبيدة : يقولون للنار - إذا سكن لهبها وعلا الجمر - رماد خبت ، فإن طفئ معظم الجمر يقال خمدت ، وإن طفئ كله يقال همدت .
تورون تستخرجون : أوريت أوقدت للمقوين للمسافرين والقي القفر أشار به إلى ما في قوله تعالى : تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ وفسر المقوين بقوله المسافرين ، واشتقاقه من أقوى الرجل إذا نزل المنزل القواء ، وهو الموضع الذي لا أحد فيه ، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : للمقوين للمسافرين ، ومن طريق الضحاك وقتادة مثله ، ومن طريق مجاهد قال : للمقوين ، أي المستحقين ، أي المسافر والحاضر ، ويقال : المقوين من لا زاد له ، وقيل المقوي الذي له مال ، وقيل المقوي الذي أصحابه وإبله أقوياء ، وقيل هو من معه دابة . قوله : " والقي " بكسر القاف وتشديد الياء ، وفسره بقوله القفر بفتح القاف وسكون الفاء ، وفي آخره راء ، وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء ، ويجمع على قفار .
وقال ابن عباس صراط الجحيم سواء الجحيم ووسط الجحيم لشوبا من حميم يخلط طعامهم ويساط بالحميم أشار به إلى ما في قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ وفسره بقوله يخلط إلى آخره ، والشوب الخلط ، قال أبو عبيدة : تقول العرب كل شيء خلطته بغيره فهو شوب . قوله : " يساط على صيغة المجهول ، أي يخلط ، ومنه المسواط ، وهو الخشبة التي يحرك بها ما فيه التخليط وهو بالسين المهملة .
زفير وشهيق صوت شديد وصوت ضعيف وردا عطاشا أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا وفسر الورد بالعطاش ، وكذا روي عن ابن عباس ، وروي عن مجاهد ، وردا منقطعة أعناقهم ، قال أهل اللغة : الورد مصدر ورد ، والتقدير : عندهم ذوي ورد ، ويحكى أنه يقال للواردين الماء ورد ، ويقال ورد أي وراد ، كما يقال قوم زور ، أي زوار . ( فإن قلت ) : الذي يرد الماء ينافي العطش .
( قلت ) : لا يلزم من الورود إلى الماء تناوله منه ، وقد جاء في حديث الشفاعة " أنهم يشكون العطش فترفع لهم جهنم سراب ماء ، فيقال : ألا تردون فيردونها فيتساقطون فيها . غيا خسرانا وقال مجاهد يسجرون توقد بهم النار أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ وفسره بقوله توقد بهم النار كأنهم يصيرون وقود النار ، وفي رواية الأكثرين : توقد لهم ، وفي رواية أبي ذر : بهم ، بالباء .
ج١٥ / ص١٦٣ونحاس الصفر يصب على رؤوسهم ذوقوا باشروا وجربوا وليس هذا من ذوق الفم مارج خالص من النار مرج الأمير رعيته إذا خلاهم يعدو بعضهم على بعض مريج ملتبس مرج أمر الناس اختلط مرج البحرين مرجت دابتك تركتها أشار بقوله مارج إلى ما في قوله تعالى : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ثم فسره بقوله : خالص من النار ، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ما من خالص النار ، ومن طريق الضحاك ، عن ابن عباس قال : خلقت الجن من مارج من نار ، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهب .
قوله : " مرج الأمير رعيته " يعني : تركهم حتى يظلم بعضهم بعضا . قوله : " مريج " أشار به إلى ما في قوله تعالى : فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ وفسره بقوله ملتبس ، ومنه قولهم مرج أمر الناس بكسر الراء : إذا اختلط . وأما مرج بالفتح ، فمعناه : ترك وخلي ، ومنه قوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ أي خلاهما لا يلتبس أحدهما بالآخر ، وفي تفسير النسفي : مرج البحرين ، يعني : أرسل البحرين العذب والملح متجاورين يلتقيان ، لا فضل بين الماءين في مرأى العين ، بينهما برزخ حاجز وحائل من قدرة الله تعالى وحكمته لا يَبْغِيَانِ لا يتجاوزان حديهما ، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة ، ولا يختلطان ، ولا يتغيران ، وقال قتادة : لا يطغيان على الناس بالغرق ، وقال الحسن : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني : بحر الروم وبحر الهند ، وقال قتادة : بحر فارس والروم ، " بينهما برزخ " وهي الجزائر .
وقال مجاهد والضحاك : يعني بحر السماء ، وبحر الأرض ، يلتقيان كل عام . قوله : " مرجت دابتك " بفتح الراء معناه : تركتها ، وفي الصحاح : مرجت الدابة : أمرجها بالضم مرجا ، إذا أرسلتها ترعى . 66 - حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن مهاجر أبي الحسن ، قال : سمعت زيد بن وهب ، يقول : سمعت أبا ذر - رضي الله عنه - يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال : أبرد ، ثم قال : أبرد ، حتى فاء الفيء ، يعني : للتلول ، ثم قال : أبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم .