باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال
حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : رأس الكفر نحو المشرق ، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين من أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم . مطابقته للترجمة في قوله : في الغنم ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان والأعرج عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن يحيى بن يحيى عن مالك . قوله : رأس الكفر نحو المشرق وفي رواية الكشميهني : قبل المشرق ، بكسر القاف وفتح الباء ، أي من جهته يريد أنه كان في عهده حين قال ذلك ، وفيه إشارة إلى شدة كفر المجوس ؛ لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة ، وكانوا في غاية القوة والكثرة والتجبر حتى أن ملكهم مزق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، والدجال أيضا يأتي من المشرق من قرية تسمى رستاباذ فيما ذكره الطبري ، ومن شدة أكثر أهل المشرق كفرا وطغيانا أنهم كانوا يعبدون النار ، وأن نارهم ما انطفأت ألف سنة وكان الذين يخدمونها وهم السدنة خمسة وعشرون ألف رجل .
قوله : والفخر بالخاء المعجمة مشهور ، ومنه إعجاب النفس . قوله : والخيلاء بضم الخاء المعجمة وفتح الياء آخر الحروف مخففة وبالمد الكبر واحتقار غيره . قوله : والفدادين قال الخطابي : الفدادون يفسر على وجهين أن يكون جمعا للفداد ، وهو الشديد الصوت من الفديد ، وذلك من دأب أصحاب الإبل إذا رويته بتشديد الدال من فد إذا رفع صوته ، والوجه الآخر أنه جمع الفدان ، وهو آلة الحرث ، وذلك إذا رويته بالتخفيف يريد أهل الحرث .
وقال القزاز : الفدادون بتشديد الدال جمع فداد ، وهو من بلغت إبله مائتين وألفا إلى أكثر ، وقال أبو عبيدة نحوه ، وهم المكثرون من الإبل جفاة وأهل خيلاء ، وقال أبو العباس : هم الجمالون والرعيان والبقارون والحمالون ، وقال الأصمعي : هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم قال : والفديد الصوت الشديد ، وقال أبو عمرو الشيباني : هو بالتخفيف جمع فداد بالتشديد وهو عبارة عن البقر التي يحرث عليها وأهلها أهل جفاء لبعدهم ، حكاه أبو عبيدة ، وأنكر عليه ، وعلى هذا المراد بذلك أصحابها بحذف مضاف ، وقال القرطبي : أما الحديث فليس فيه إلا رواية التشديد ، وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره . وقال ابن فارس في الحديث : الجفاء والقسوة في الفدادين ، قال : يريد أصحاب الحروث والمواشي ، قال : فديدهم أصواتهم وجلبتهم ، وقال الخطابي : إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم عليه عن أمور دينهم وتلهيهم عن أمر الآخرة ، وتكون منها قساوة القلب ونحوها . قوله : من أهل الوبر بفتح الواو والباء الموحدة ، هو بيان الفدادين ، والمراد منه ضد أهل المدر ، فهو كناية عن سكان الصحاري .
قال الكرماني : فإن أريد الوجه الأول من الوجهين ، يعني اللذين ذكرهما الخطابي ، فهو تعميم بعد تخصيص ، واستشكل بعضهم ذكر الوبر بعد ذكر الخيل ، وقال : لأن الخيل لا وبر لها ، وأجيب بأنه لا إشكال فيه ؛ لأن قوله : من أهل الوبر بيان الفدادين كما ذكرناه . قوله : والسكينة في الغنم أي السكون والطمأنينة والوقار والتواضع ، وقال ابن خالويه : السكينة مصدر سكن سكينة ، وليس في المصادر له شبيه إلا قولهم عليه ضريبة ، أي خراج معلوم .