حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش قال : حدثني عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ؛ لأنه أول من سن القتل . مطابقته للترجمة من حيث إن القاتل فيه وهو قابيل ، كما نذكره هو ابن آدم من صلبه ، وهو داخل في لفظ الذرية في الترجمة ، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الديات ، عن قبيصة ، عن سفيان الثوري ، وفي الاعتصام عن الحميدي عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه مسلم في الحدود ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وعن عثمان بن أبي شيبة ، وعن ابن أبي عمر ، وأخرجه الترمذي في العلم عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في التفسير عن علي بن خشرم ، وفي المحاربة عن عمرو بن علي ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن هشام بن عمار .

قوله : لا تقتل نفس على صيغة المجهول ، والمراد بالنفس نفس ابن آدم ، وظلما نصب على التمييز ، قوله : إلا كان على ابن آدم الأول المراد من الابن هنا هو قابيل ، وآدم الأول هو آدم النبي عليه الصلاة والسلام أبو قابيل ، وقد قتل هو أخاه هابيل ، وكان عمره عشرين سنة ، وعمر قابيل خمسة وعشرين سنة . وقال الطبري : وأهل العلم مختلفون في اسم القاتل فبعضهم يقول : هو قين بن آدم ، وبعضهم يقول : هو قاين بن آدم ، وبعضهم يقول : هو قابيل ، واختلفوا أيضا في سبب قتله هابيل فقال عبد الله بن عمرو : إن الله تعالى أمر بني آدم أن يقربا قربانا ، وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه ، وصاحب الحرث قرب شر حرثه ، فقبل الله قربان الأول . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينما هما قاعدان إذ قالا : لو قربنا فقربا قربانا فتقبل من أحدهما .

قلت : حكى السدي عن أشياخه عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء ، وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قالوا : كانت حواء تلد توأما في كل بطن غلاما وجارية إلا شيثا ، فإنها ولدته مفردا ، فلما كان بعد مائة سنة من هبوط آدم عليه الصلاة والسلام إلى الدنيا ولدت قابيل وتوأمته أقليما ، ثم هابيل وتوأمته ليوذا ، وكان آدم يزوج ابنه أخته التي لم تكن توأمته ، فلما بلغ قابيل وهابيل أمر الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام أن يزوج قابيل ليوذا أخت هابيل ، ويزوج هابيل إقليما أخت قابيل ، وكانت من أجمل النساء قامة وأجملهن وأحسنهن صورة ، فلم يرض قابيل ، وقال : أنا أحق بأختي أنا وأختي من أولاد الجنة وهابيل وأخته من أولاد الدنيا ، فقال آدم : قربا قربانا ، وكان قابيل صاحب زرع ، وهابيل صاحب غنم ، فقرب قابيل صبرة من طعام من أردى زرعه ، وأضمر في نفسه ، وقال : ما أبالي أتقبل مني أم لا بعد أن يتزوج هابيل أختي ، وقرب هابيل كبشا سمينا من خيار غنمه ولبنا وزبدا ، وأضمر في نفسه الرضا بالله تعالى ، وكان القربان إذا قبل تنزل من السماء نار بيضاء فتأكله فنزلت نار فأكلت قربان هابيل ، ولم تأكل من قربان قابيل شيئا ، فأخذ قابيل في نفسه حتى قتل هابيل . وعن ابن عباس : لم يزل الكبش يرعى في الجنة حتى فدي به إسماعيل عليه الصلاة والسلام . واختلفوا في أي موضع كان القربان فعامة العلماء على أنه كان بالهند ، واختلفوا أيضا في كيفية قتله ، فقال ابن جريج : إنه أتاه وهو نائم فلم يدر كيف يقتله ؟ فأتاه الشيطان متمثلا فأخذ طيرا ، فوضع رأسه على حجر ، ثم شدخ رأسه بحجر آخر ، وقابيل ينظر إليه ، ففعل بهابيل كذلك .

وعن ابن عباس : رماه بحجر فقتله ، وروى مجاهد عنه أنه رضخ رأسه بصخرة ، وعن الربيع أنه اغتاله فقتله ، وقيل : خنقه ، وقيل : ضربه بحديدة فقتله . واختلفوا أيضا في موضع مصرعه ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه على جبل ثور ، وعن جعفر الصادق بالبصرة مكان الجامع ، وعن الطبري على عقبة حراء ، وعن المسعودي قتله بدمشق ، وكذا قاله الحافظ بن عساكر في تاريخ دمشق ، فقال : كان قابيل يسكن خارج باب الجابية ، وأنه قتل أخاه على جبل قاسيون عند مغارة الدم ، وقال كعب : الدم الذي على قاسيون هو دم ابن آدم ، وقال سبط بن الجوزي : والعجب من هذه الأقوال وقد اتفق أرباب السير أن الواقعة كانت بالهند ، وأن قابيل اغتنم غيبة أبيه بمكة ، فما الذي أتى به إلى جبل ثور وحراء وهما بمكة ؟ وما الذي أتى به إلى البصرة ولم تكن أسست ؟ وأين الهند ودمشق والجابية ؟ وهل وضعت التواريخ إلا ليتميز الصحيح والسقيم ، والسالم والسليم ؟ اللهم غفرا . ( قلت ) : روي عن ابن عباس أنه قتله على جبل نوذ بالهند ، وهذا هو الصحيح ، وحكى الثعلبي عن معاوية بن عمار سألت الصادق أكان آدم يزوج ابنته من ابنه فقال : معاذ الله ! وإنما هو لما أهبط إلى الأرض ولدت حواء عليها الصلاة والسلام بنتا فسماها عناقا ، وهي أول من بغى على وجه الأرض ، فسلط الله عليها من قتلها ، فولد له على إثرها قابيل ، فلما أدرك أظهر الله له جنية يقال لها : حمامة ، فأوحى الله إليه أن زوجها منه ، فلما أدرك هابيل أهبط الله إليه من الجنة حوراء ، اسمها بذلة ، فأوحى الله إليه أن زوجها منه ، فأعتب قابيل على أبيه ، وقال : أنا أسن منه ، وكنت أحق بها ، قال : يا بني ، إن الله تعالى أوحى إلي بذلك فقربا قربانا .

قوله : كفل بكسر الكاف وإسكان الفاء وهو النصيب والجزء ، وقال الخليل : الكفل من الأجر والإثم هو الضعف ، وفي التنزيل : مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وأما قوله تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ فلعله من تغليب الخير ، قوله : لأنه : أي لأن ابن آدم الأول أول من سن القتل : أي على وجه الأرض من بني آدم ، فإن قيل : قال الله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى أجيب بأن هذا جزاء تأسيس فهو فعل سنة ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث