باب وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة
باب وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أي هذا باب يذكر فيه : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ الآية ، ولم يذكر في هذا الباب غير بعض تفسير ألفاظ تتعلق بقصة موسى التي وقعت في القرآن من بعض قصصه عليه السلام ، قوله : وَإِذْ قَالَ أي اذكر يا محمد حين قال موسى لقومه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً وقصة البقرة ما ذكره ابن أبي حاتم فقال : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال : كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له ، وكان له مال كثير ، وكان ابن أخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم ، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا ، وركب بعضهم على بعض فقال ذو الرأي منهم : على ما يقتل بعضكم بعضا ، وهذا رسول الله فيكم ، فأتوا موسى عليه الصلاة والسلام ، فذكروا ذلك له ، فقال إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قال : فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة ، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها ، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها ، فقال والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا ، فأخذوها بملء جلدها ذهبا ، فذكوها وضربوه ببعضها فقام فقالوا : من قتلك ؟ قال : هذا لابن أخيه ، ثم مال ميتا فلم يعط من ماله شيئا ، فلم يورث قاتل بعد، ورواه ابن جرير من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة بنحو ذلك ، ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره من وجه آخر ، وملخصه : كان رجل من بني إسرائيل غنيا ولم يكن له ولد ، وكان له قريب وهو وارثه فقتله ليرثه ، ثم ألقاه على مجمع الطريق ، وأتى موسى عليه الصلاة والسلام فقال له : إن قريبي قتل ونادى موسى في الناس : من كان عنده في هذا علم يبينه لنا ، فلم يكن عندهم علم ، وقال القاتل : أنت نبي الله سل لنا ربك أن يبين لنا ، فسأل ربه فأوحى الله إليه : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً الآيات ، وفيه أنهم أعطوا صاحب البقرة وزنها عشر مرات ذهبا ، فذبحوها وضربوه بالبضعة التي بين الكتفين ، فعاش فسألوه ، فبين القاتل ، ورواه بسند من وجه آخر عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس أن سبطا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس ، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدا منهم خارج المدينة إلا أدخلوه ، فإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر وتشوف ، فإذا لم ير شيئا فتح المدينة ، فكانوا مع الناس حتى يمسوا ، قال : وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير ، ولم يكن له وارث غير أخيه ، فطالت عليه حياته ، فقتله ليرثه ، ثم حمله فوضعه على باب المدينة ، ثم كمن هو وأصحابه قال : فتشوف رئيس المدينة على باب المدينة فنظر فلم ير شيئا ، ففتح الباب فلما رأى القتيل رد الباب ، فناداه أخو المقتول وأصحابه هيهات قتلتموه ثم تردون الباب ، وكاد أن يكون بين أخ المقتول وبين أهل المدينة قتال ، حتى لبسوا السلاح ثم كف بعضهم عن بعض ، فأتوا موسى فشكوا له شأنهم ، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة القصة ، وقال ابن كثير : الروايات فيها مختلفة والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل ، وهو مما يجوز نقلها لكن لا يصدق ولا يكذب ؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق . قال أبو العالية العوان النصف بين البكر والهرمة . أبو العالية بالعين المهملة رفيع بن مهران الرياحي بالياء آخر الحروف وهو فسر العوان في قوله تعالى : إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ورواه القرطبي عن سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عنه ، قوله : لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ يعني لا هرمة ولا صغيرة عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ أي نصف بين البكر والهرمة ، والنصف بفتح النون والصاد .
فَاقِعٌ صاف ، أشار به إلى ما في قوله تعالى : صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ وهذه الجملة صفة لتلك البقرة المأمور بذبحها ، ولونها مرفوع بفاقع ، وعن سعيد بن جبير : صَفْرَاءُ فَاقِعٌ صافية اللون ، وكذا عن قتادة والحسن ونحوه ، وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنه فَاقِعٌ لَوْنُهَا شديد الصفرة تكاد صفرتها تبيض ، وعن ابن عمر كانت صفراء الظلف ، وعن سعيد بن جبير : كانت صفراء القرن والظلف قال ابن أبي حاتم ، حدثنا أبي ، حدثنا نصر بن علي ، أخبرنا أبو رجاء عن الحسن في قوله : صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا قال سوداء شديدة السواد ، وهذا غريب ، قوله : تَسُرُّ النَّاظِرِينَ أي تعجبهم . لا ذلول لم يذلها العمل تثير الأرض ليست بذلول تثير الأرض ولا تعمل في الحرث أشار به إلى ما في قوله تعالى : لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ أي هذه لا ذلول يعني ليست مذللة بالحرث ولا معدة للسقي في السانية بل هي مكرمة حسناء صبيحة ، قوله : لم يذلها بضم الياء من الإذلال ، والعمل مرفوع به ، قوله : تُثِيرُ الأَرْضَ يعني ليست بذلول فتثير الأرض . مسلمة من العيوب أشار به إلى ما في قوله تعالى : مُسَلَّمَةٌ الآية ، وفسرها بقوله من العيوب ، وقال عطاء الخراساني : مسلمة القوائم والخلق .
لا شية بياض فسر الشية التي هي اللون بقوله بياض يعني لا بياض فيها ، قال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة : ليس فيها بياض ، وقال عطاء الخراساني : لونها واحد وروي عن عطية ووهب بن منبه نحو ذلك ، وقال السدي لا شِيَةَ فِيهَا من بياض ولا سواد ولا حمرة . صفراء إن شئت سوداء ويقال صفراء كقوله : جمالات صفر . غرضه من هذا الكلام أن الصفرة يحتمل حملها على معناها المشهور ، وعلى معنى السواد كما في قوله تعالى جِمَالَتٌ صُفْرٌ فإنه فسر بسواد يضرب إلى الصفرة ، فاحمل على أيهما شئت ، قوله : جِمَالَتٌ جمع الجمع لأنه جمع جمالة ، والجمالة جمع جمل ، وفسرها مجاهد بسود ، ويقال للجمل الأسود أصفر لأنه لا يوجد جمل أسود إلا وهو مشرب بصفرة .
فادارأتم اختلفتم أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وفسر بقوله اختلفتم ، وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي حذيفة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا اختلفتم ، وقال عطاء الخراساني والضحاك : اختصمتم فيها ، وقال أبو عبيدة : وهو من التداري وهو التدافع والله أعلم .