حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا

باب قول الله تعالى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا أي هذا باب في بيان قول الله تعالى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ الآية ، وشعيب اسم عربي ، وقال مقاتل : ذكره الله في القرآن في تسعة مواضع ، وهو شعيب بن يويب بن رعويل بن غيفا بن مدين بن إبراهيم صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال وهب بن منبه : شعيب بن غيفا بن يويب بن مدين ، وقال الثعلبي : شعيب بن بحرون بن يويب بن مدين ، وقال ابن إسحاق : شعيب بن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب ، وقيل : شعيب بن نويل بن رعويل بن يويب بن غيفا بن مدين بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقيل : شعيب بن ضيفون بن غيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم ، ويقال : جدته أو أمه بنت لوط ، وكان ممن آمن بإبراهيم ، وهاجر معه ، ودخل دمشق . قوله : وَإِلَى مَدْيَنَ أي وإلى أهل مدين وكانوا قوما عربا يقطعون الطريق ، ويخيفون المارة ، ويبخسون المكاييل والموازين ، وكانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه ، وأرسله الله إليهم ، فقال : يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوه ، وقد قص الله قصته في القرآن ، وقال علماء السير : أقام شعيب مدة بعد هلاك قومه ، ووصل إليه موسى وزوجه بنته ، وقال ابن الجوزي : ثم خرج إلى مكة ومات بها ، وعمره مائة وأربعون سنة ، ودفن في المسجد الحرام حيال الحجر الأسود ، وقال سبطه وعند طبرية بالساحل قرية يقال لها حطين فيها قبر يقال : إنه قبر شعيب عليه الصلاة والسلام ، وقال أبو المفاخر إبراهيم بن جبريل في تاريخه : إن شعيبا كان عمره ستمائة سنة وخمسين سنة . إلى أهل مدين لأن مدين بلد ، ومثله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ واسأل العير ؛ يعني أهل القرية ، وأهل العير أشار بهذا إلى أن معنى قوله : إلى مدين : إلى أهل مدين ؛لأن مدين بلد ، وهي مدينة شعيب على بحر القلزم ، محاذية لتبوك على نحو ست مراحل منها ، وبها البئر التي استسقى منها موسى عليه الصلاة والسلام لسائمة شعيب عليه الصلاة والسلام ، وهي الآن خراب ، وأشار بقوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ إلى أن نظير قوله تعالى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا هو قوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ في أن المضاف فيهما محذوف ، وهو لفظ أهل ، وكذلك قوله : واسأل العير أي أهل العير ؛ لأن القرية والعير لا يصح السؤال منهما .

وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا لم تلتفتوا إليه ، ويقال : إذا لم تقض حاجته : ظهرت حاجتي وجعلتني ظهريا . قال : الظهري أن تأخذ معك دابة ، أو وعاء تستظهر به أشار بقوله : وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إلى ما في قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ثم فسره بقوله : لم تلتفتوا إليه ، والظهري منسوب إلى الظهر ، وكسر الظاء من تغييرات النسب ، كما تقول في أمسى إمسى بكسر الهمزة . قوله : ويقال إذا لم تقض حاجته يعني إذا لم تقض حاجة من سألك بها : تقول : ظهرت حاجتي أي جعلتها وراء ظهرك ، وقال الجوهري : وقولهم ظهر فلان بحاجتي إذا استخف بها .

قوله : وجعلتني ظهريا يعني يقال أيضا إذا لم يلتفت إليه ولا قضى حاجته : جعلتني ظهريا ، أي جعلتني وراء ظهرك . قوله : قال الظهري الظاهر أن الضمير في قال يرجع إلى البخاري ، وأشار به إلى أن الظهري بصورة النسبة يقال أيضا لمن يأخذ معه دابة أو وعاء يستظهر به ، أي يتقوى به . مكانتهم ومكانهم واحد .

هذا فيه نظر ؛ لأن في قصة شعيب هكذا : وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ بمعنى مكانكم ، وأما مكانتهم ففي سورة يس وهو قوله : وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ وفي التفسير : المكانة والمكان واحد ، كالمقامة والمقام . يَغْنَوْا يعيشوا أشار به إلى ما في قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ثم فسره بقوله : يعيشوا لأنه لما ذكر يَغْنَوْا بدون لم فسر يعيشوا أيضا بدون لم ، والأصل : كأن لم يغنوا فيها ؛ أي لم يعيشوا ، ولم يقيموا بها . تَأْسَ تحزن أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ وفسر تَأْسَ بقوله : تحزن ، ولم يذكر لفظ لا فيها ، وذكر هذا ليس في محله ؛ لأنه في قصة موسى عليه الصلاة والسلام .

آسَى أحزن أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ وفسر آسَى بقوله : أحزن ، والمعنى : كيف أحزن وأتندم وأتوجع . وقال الحسن : إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ يستهزءون به أي قال الحسن البصري في قوله تعالى : إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ يستهزءون به ، يعني أنهم عكسوا على سبيل الاستعارة التهكمية ؛ إذ غرضهم : أنت السفيه الغوي ، لا الحليم الرشيد ، ووصل ذلك ابن أبي حاتم من طريق أبي المليح عنه . قوله : به أي بشعيب .

وقال مجاهد ليكة الأيكة أشار به إلى ما في قوله تعالى : ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ قرأ بعضهم ليكة باللام على وزن ليلة ، فقال مجاهد : هو نفس الأيكة ، وقال الرشاطي : الأيكة كانت منازل قوم شعيب عليه الصلاة والسلام من ساحل البحر إلى مدين ، وكان شجرهم المقل ، والأيكة عند أهل اللغة الشجر الملتف ، وكانوا أصحاب شجر ملتف ، ويقال الأيكة : الغيضة ، وليكة اسم البلد حولها كما قيل في مكة بكة ، وقال أبو جعفر النحاس : ولا يعلم ليكة اسم بلد . يَوْمِ الظُّلَّةِ إظلال الغمام العذاب عليهم أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ يروى أنه حبس عنهم الهواء ، وسلط عليهم الحر ، فأخذ بأنفاسهم ، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية ، فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما ، فاجتمعوا تحتها ، فأمطرت عليهم نارا ، فاحترقوا ، فكان شعيب عليه الصلاة والسلام مبعوثا إلى أصحاب مدين وأصحاب الأيكة ، فأهلكت مدين بصيحة جبريل عليه الصلاة والسلام وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة ، واعلم أن البخاري لم يذكر في هذا الباب غير تفسير الألفاظ المذكورة فيه ، ولم يقع هذا أيضا إلا في رواية المستملي والكشميهني .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث