حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها

حدثنا أحمد بن محمد المكي قال : سمعت إبراهيم بن سعد قال : حدثني الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : لا والله ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعيسى أحمر ، ولكن قال : بينما أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر يهادى بين رجلين ينطف رأسه ماء أو يهراق رأسه ماء ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : ابن مريم . فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور عينه اليمنى كأن عينه عنبة طافية ، قلت : من هذا ؟ قالوا : هذا الدجال - وأقرب الناس به شبها ابن قطن . قال الزهري : رجل من خزاعة هلك في الجاهلية .

مطابقته للترجمة في قوله : ابْنُ مَرْيَمَ . وأحمد بن محمد بن الوليد أبو محمد الأزرقي المكي وهو من أفراده ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم يروي عن أبيه عبد الله بن عمر ، وهذا الحديث من أفراده . قوله : ( قال ) ؛ أي قال عبد الله بن عمر .

قوله : ( لا والله ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ) ؛ أي ليس الأمر كما زعمتم أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال في صفة عيسى عليه الصلاة والسلام أحمر ، ولكن قال .. . إلى آخره . وفيه جواز اليمين على غلبة الظن ؛ لأن ابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال لا عيسى عليه الصلاة والسلام ، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له المسيح وهي صفة مدح في حق عيسى عليه الصلاة والسلام وصفة ذم في حق الدجال كما ذكر ، وكأن ابن عمر قد تحقق سمعه في وصف عيسى بأنه آدم فجوز الحلف على غلبة الظن ، وأن من وصفه بأنه أحمر قد وهم فيه .

قوله : ( بينا أنا نائم ) ، قد ذكرنا غير مرة أن أصل بينا بين فأشبعت الفتحة ألفا ، وأنه ظرف مضاف إلى جملة ، وهذا يدل على أن رؤيته - صلى الله تعالى عليه وسلم - في هذه المرة غير رؤيته التي ذكر في حديث أبي هريرة الذي مضى عن قريب في هذا الباب ، فإن تلك كانت ليلة الإسراء . فإن قلت : التي كانت في الإسراء على الاختلاف في الإسراء هل كان في النوم أو في اليقظة - قلت : قد قيل إنه كان في المنام ، ولكن الصحيح أن الإسراء كان في اليقظة وأن رؤيته الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانت في ليلة الإسراء كانت بالأشخاص وإن زعم بعضهم أنها كانت بالأرواح . فإن قلت : إذا كانت الرؤية في المنام فلا إشكال ، وإذا كانت في اليقظة ففيه إشكال ، ويزيد الإشكال ما رواه مجاهد عن ابن عباس : أما موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة ، كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي .

وقد تقدم في الحج ، وكذلك رؤيته - صلى الله تعالى عليه وسلم - موسى ليلة المعراج وهو يصلي في قبره . قلت : لا إشكال في هذا أصلا ، وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الشهداء ، والشهداء أحياء عند ربهم ، فالأنبياء بالطريق الأولى ولا سيما في حديث ابن عباس عند مسلم قال صلى الله تعالى عليه وسلم : كأني أنظر إلى موسى ، وكأني أنظر إلى يونس . فإذا كان الأمر كذلك فلا يبعد أن يصلوا ويحجوا ويتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا ما دامت الدنيا - وهي دار التكليف - باقية .

قوله : ( يهادى بين رجلين ) ؛ أي يمشي بينهما مائلا إلى أحد الطرفين متكئا عليهما . قوله : ( ينطف ) بكسر الطاء وضمها ؛ أي يقطر ، ورأسه بالرفع فاعل له ، وقوله : ماء نصب على التمييز . قوله : ( أو يهراق ) شك من الراوي ، وهو بضم الياء وفتح الهاء وسكونها .

قوله : ( أعور عينه اليمنى ) بإضافة أعور إلى عينه من إضافة الموصوف إلى صفته كما ذكرناه عن قريب ، وارتفاع أعور على أنه صفة لقوله : رجل بعد صفة . وروى الأصيلي برفع عينه بقطع إضافة أعور عنه ، وذكر بعضهم وجه ذلك بقوله : كأنه وقف على وصفه بأنه أعور ، وابتدأ الخبر عن صفة عينه فقال : عينه كأنها كذا ، وأبرز الضمير ، وفيه نظر ؛ لأنه يصير كأنه قال عينه كان عينه ، انتهى . قلت : لا حاجة إلى هذا التخبيط حيث يذكر وجها في إعرابه ثم يقول وفيه نظر ، والذي يقال فيه على ما ذهب إليه الأصيلي أن تكون عينه بالرفع بدل من قوله : أعور ، ويجوز أن يكون ارتفاعه على أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره عينه اليمنى عوراء ، وتكون هذه الجملة صفة كاشفة لقوله : أعور .

قوله : ( كأن عينه عنبة طافية ) هذا على رواية الأكثرين على أن عينه منصوبة على أنه اسم كأن ، وقوله : عنبة خبره ، وهو بكسر العين وفتح النون والباء الموحدة ، و طافية صفتها ؛ أي مرتفعة . وعند الأصيلي : كأن عينه طافية . ويروى كأن عنبة طافية بالنصب على أنه اسم كأن والخبر محذوف تقديره كأن في وجهه عنبة طافية ، والخبر مقدم على الاسم .

قوله : ( هذا الدجال ) ، فإن قلت : كيف هذا ويحرم على الدجال دخول مكة ؟ قلت : ذاك في زمن خروجه على الناس ، وأيضا لفظ الحديث أنه لا يدخل مكة وليس فيه نفي الدخول في الماضي . قوله : ( قال الزهري ) هو محمد بن مسلم ، وهو بالإسناد المذكور . قوله : ( رجل ) ؛ أي ابن قطن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية ، و خزاعة بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وبالعين المهملة هو ربيعة ، وربيعة هو لحي بن حارثة بن عمرو بن مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، وقيل لهم خزاعة لأنهم تخزعوا من بني مازن بن الأزد في إقبالهم معهم من اليمن ؛ أي انقطعوا عنهم .

قوله : ( جاهلي ) نسبة إلى الجاهلية وهي الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث