باب قول الله تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها
حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أنا أولى الناس بابن مريم ، والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : بابن مريم . ورجاله بهذا النسق قد ذكروا غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، والحديث من أفراده .
قوله : ( أنا أولى الناس بابن مريم ) ؛ أي بعيسى بن مريم ، أي أخص الناس به وأقربهم إليه لأنه بشر بأنه يأتي من بعدي رسول اسمه أحمد ، وقيل : لأنه لا نبي بينهما ، فكأنهما كانا في زمن واحد . وفيه نظر ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما التوفيق بينه وبين قوله تعالى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ ؟ قلت : الحديث وارد في كونه - صلى الله عليه وسلم - متبوعا والقرآن في كونه تابعا ، وله الفضل تابعا ومتبوعا ، انتهى . وقال بعضهم : مساق الحديث كمساق الآية ، فلا دليل على هذه التفرقة .
والحق أنه لا منافاة ليحتاج إلى الجمع ، فكما أنه أولى الناس بإبراهيم كذلك هو أولى الناس بعيسى ، وذلك من جهة قوة الاقتداء به ، وهذا من جهة قرب العهد به ، انتهى . قلت .. . قوله : ( علات ) بفتح العين المهملة وتشديد اللام وفي آخره تاء مثناة من فوق ، وهم الإخوة لأب من أمهات شتى ، كما أن الإخوة من الأم فقط أولاد أخياف ، والإخوة من الأبوين أولاد أعيان ، ومعناه أن أصولهم واحدة وفروعهم مختلفة ، يعني أنهم متفقون فيما يتعلق بالاعتقاديات المسماة بأصول الديانات كالتوحيد وسائر مسائل علم الكلام مختلفون فيما يتعلق بالعمليات وهي الفقهيات ، ويقال : سميت أولاد الرجل من نسوة شتى إخوة علات لأنهم أولاد ضرائر ، والعلات الضرائر ، وقيل : لأن التي تزوجها على الأولى كانت قبلها ثم عل من هذه ، والعلل الشرب الثاني ، يقال علل بعد نهل ، وفي التهذيب : هما أخوان من علة ، وهما ابنا علة ، وهم بنو علة ، وهم من علات .
وفي المحكم : جمع العلة العلائل . قوله : ( ليس بيني وبينه نبي ) ؛ أي وبين ابن مريم ، وفي رواية عبد الرحمن بن آدم : وأنا أولى الناس بعيسى ؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي . وبه استدل قوم على أنه لم يأت نبي بعد عيسى عليه الصلاة والسلام إلا نبينا صلى الله عليه وسلم ، وليس الاستدلال به قويا لأنه قد جاء بين عيسى ونبينا - صلى الله عليه وسلم - جرجيس وخالد بن سنان ؛ وكانا نبيين ، فعلى هذا معنى الحديث : ليس بيني وبينه نبي بشريعة مستقلة .
وقيل ما ورد من خبر جرجيس وخالد لم يثبت ، والحديث الصحيح يرده .