باب قول الله تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها
وحدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق ، فقال له : سرقت . قال : كلا والله الذي لا إله إلا هو . فقال عيسى : آمنت بالله وكذبت عيني .
مطابقته للترجمة ظاهرة . وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، وهمام - بتشديد الميم - ابن منبه . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن رافع .
قوله : ( سرقت ) ، قال القرطبي : ظاهر هذا أنه خبر جازم عما فعل الرجل من السرقة ؛ لأنه رآه أخذ مالا من حرز في خفية . وقيل : يحتمل أن يكون مستفهما له عن تحقيق ذلك ، فحذف همزة الاستفهام . قلت : رأيت في بعض النسخ الصحيحة أسرقت بهمزة الاستفهام ، ورد بأنه بعيد مع جزم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن عيسى رأى رجلا يسرق ، وقيل : يحتمل حل الأخذ لهذا الرجل بوجه من الوجوه - ورد بالجزم المذكور .
قوله : ( كلا ) نفي للسرقة ، ثم أكده بقوله : ( والله الذي لا إله إلا هو ) ، هكذا رواية الكشميهني إلا هو ، وفي رواية غيره إلا الله ، وفي رواية ابن طهمان عند النسائي قال : لا والذي لا إله إلا هو . قوله : ( آمنت بالله ) ؛ أي صدقت من حلف بالله وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ المذكور سرقة ، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق أو ما أذن له صاحبه في أخذه ، أو أخذه ليقلبه وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء . قوله : ( وكذبت عيني ) ، وفي رواية مسلم : وكذبت نفسي .
وفي رواية ابن طهمان : وكذبت بصري . وقال ابن التين : قال عيسى ذلك على المبالغة في تصديق الحالف . وقيل : أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر الحكم لا باطن الأمر ، وإلا فالمشاهدة أعلى اليقين ، فكيف يصدق عينه أو يكذب قول المدعي ؟ وفيه دليل على درء الحد بالشبهة وعلى منع القضاء بالعلم ، والراجح عند المالكية والحنابلة منعه مطلقا ، وعند الشافعية جوازه إلا في الحدود .