باب نزول عيسى بن مريم عليهما السلام
حدثنا إسحاق ، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها . ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : واقرؤوا إن شئتم ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾. مطابقته للترجمة ظاهرة .
وإسحاق هو ابن راهويه ، وعن أبي علي الجياني : إسحاق إما ابن راهويه وإما ابن منصور . ويعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، يروي عن أبيه إبراهيم - هو ابن سعد بن إبراهيم المذكور . وصالح هو ابن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه .
والحديث مر في أواخر البيوع في باب قتل الخنزير إلى قوله : حتى لا يقبله أحد ومر الكلام فيه ، ولنشرح ما بقي منه : قوله : ( والذي نفسي بيده ) فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده . قوله : ( ليوشكن ) بكسر الشين المعجمة ، وهو من أفعال المقاربة ، ومعناه ليقربن سريعا . قوله : ( فيكم ) خطاب لهذه الأمة .
قوله : ( حكما ) ؛ أي حاكما بهذه الشريعة ، فإن شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تنسخ . وفي رواية الليث بن سعد عند مسلم : حكما مقسطا . وله في رواية : إماما مقسطا - أي عادلا ، والقاسط الجائر .
قوله : ( ويقتل الخنزير ) ، ووقع في رواية الطبراني : ويقتل الخنزير والقردة . قوله : ( ويضع الجزية ) ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : ويضع الحرب . والمعنى أن الدين يصير واحدا ؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يقبل إلا الإسلام .
فإن قلت : وضع الجزية مشروع في هذه الأمة ، فلم لا يكون المعنى تقرر الجزية على الكفار من غير محاباة فلذلك يكثر المال ؟ قلت : مشروعية الجزية مقيدة بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، وقد قلنا أن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يقبل إلا الإسلام ، وقال ابن بطال : وإنما قبلناها قبل نزول عيسى عليه الصلاة والسلام للحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ، فإنه لا يحتاج فيه إلى المال ، فإن المال يكثر حتى لا يقبله أحد . قوله : ( ويفيض المال ) بفتح الياء وكسر الفاء وبالضاد المعجمة ؛ أي يكثر ، وأصله من فاض الماء ، وفي رواية عطاء بن مينا : وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد . وسببه كثرة المال ونزول البركات وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظلم ، وحينئذ تخرج الأرض كنوزها وتقل الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة .
قوله : ( حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ) ؛ لأنهم حينئذ لا يتقربون إلى الله إلا بالعبادات لا بالتصدق بالمال . فإن قلت : السجدة الواحدة دائما خير من الدنيا وما فيها لأن الآخرة خير وأبقى ! قلت : الغرض أنها خير من كل مال الدنيا ، إذ حينئذ لا يمكن التقرب إلى الله تعالى بالمال . وقال التوربشتي : يعني أن الناس يرغبون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها .
قوله : ( ثم يقول أبو هريرة .. . ) إلى آخره موصول بالإسناد المذكور . قوله : ( واقرؤوا إن شئتم ) ، قال ابن الجوزي : إنما أتى بذكر هذه الآية للإشارة إلى مناسبتها لقوله : حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ، فإنه يشير بذلك إلى صلاح الناس وشدة إيمانهم وإقبالهم على الخير ، فهم لذلك يؤثرون الركعة الواحدة على جميع الدنيا .
والسجدة تذكر ويراد بها الركعة . وقال القرطبي : معنى الحديث أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به حتى لا يقبله أحد . قوله : ( وإن من أهل الكتاب ) ، كلمة إن نافية ؛ يعني : ما من أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا ليؤمنن به .
واختلف أهل التفسير في مرجع الضمير في قوله تعالى به ؛ فروى ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يرجع إلى عيسى عليه الصلاة والسلام ، وكذا رُوي من طريق أبي رجاء عن الحسن قال : قبل موت عيسى ، والله إنه لحي ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون . وذهب إليه أكثر أهل العلم ، ورجحه ابن جرير ، وأبو هريرة أيضا صار إليه فقراءته هذه الآية الكريمة تدل عليه . وقيل : يعود الضمير إلى الله ، وقيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
والضمير في قوله : قبل موته يرجع إلى أهل الكتاب عند الأكثرين ، لما روى ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس : لا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بعيسى . فقال له عكرمة : أرأيت إن خر من بيت أو احترق أو أكله السبع ؟ قال : لا يموت حتى يحرك شفتيه بالإيمان بعيسى . وفي إسناده خصيف وفيه ضعف ، ورجح جماعة هذا المذهب لقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه إلا ليؤمنن به قبل موتهم ؛ أي قبل موت أهل الكتاب .
وقيل : يرجع إلى عيسى ؛ أي إلا ليؤمنن به قبل موت عيسى عليه السلام ، ولكن لا ينفع هذا الإيمان في تلك الحالة . فإن قلت : ما الحكمة في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام والخصوصية به ؟ قلت : فيه وجوه ؛ الأول للرد على اليهود في زعمهم الباطل أنهم قتلوه وصلبوه ، فبين الله تعالى كذبهم وأنه هو الذي يقتلهم . الثاني : لأجل دنو أجله ليدفن في الأرض ، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غير التراب .
الثالث : لأنه دعا الله تعالى لما رأى صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته أن يجعله منهم ، فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حيا حتى ينزل في آخر الزمان ويجدد أمر الإسلام فيوافق خروج الدجال فيقتله . الرابع : لتكذيب النصارى وإظهار زيفهم في دعواهم الأباطيل وقتله إياهم . الخامس : أن خصوصيته بالأمور المذكورة لقوله صلى الله عليه وسلم : أنا أولى الناس بابن مريم ، ليس بيني وبينه نبي .
وهو أقرب إليه من غيره في الزمان ، وهو أولى بذلك .