باب ما ذكر عن بني إسرائيل
حدثني محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن فرات القزاز قال : سمعت أبا حازم قال : قاعدت أبا هريرة رضي الله عنه خمس سنين ، فسمعته يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء فيكثرون . قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : فوا ببيعة الأول فالأول ، أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن بشار هو بندار ، ومحمد بن جعفر هو غندر ، وفرات - بضم الفاء وتخفيف الراء وفي آخره تاء مثناة من فوق - ابن أبي عبد الرحمن القزاز - بفتح القاف وتشديد الزاي الأولى - البصري ثم الكوفي ، وأبو حازم - بالحاء المهملة والزاي - اسمه سلمان الأشجعي .
والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن بشار به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن براد . وأخرجه ابن ماجه في الجهاد عن أبي بكر بن أبي شيبة . قوله : ( قاعدت أبا هريرة ) إنما ذكره بباب المفاعلة ليدل على قعوده متعلقا بأبي هريرة ، ولأجل تعلقه بالآخر جاء متعديا لأن أصله لازم ، كما في قولك كارمت زيدا ؛ فإن أصله لازم نحوه .
قوله : ( تسوسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) ؛ أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية ، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه ، وذلك لأنهم كانوا إذا أظهروا الفساد بعث الله نبيا يزيل الفساد عنهم ويقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروا من حكم التوراة . قوله : ( خلفه نبي ) بفتح اللام المخففة ؛ يعني يقوم مقام الأول ، والخلف بفتح اللام وسكونها كل من يجيء بعد من مضى ، إلا أنه بالتحريك في الخير وبالسكون في الشر ، قال الله تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ قوله : ( لا نبي بعدي ) ؛ يعني لا يجيء بعدي نبي فيفعل ما يفعلون . قوله : ( خلفاء ) جمع خليفة .
قوله : ( فيكثرون ) بالثاء المثلثة من الكثرة ، وحكى عياض عن بعضهم بالباء الموحدة وهو تصحيف ، ووجه بأن المراد إكبار قبائح فعلهم . قوله : ( فوا ) بالضم أمر لجماعة ، من وفى يفي ، والأمر منه فِ فيا فوا ، وأصله أوفوا ، وأصله أوفيوا ؛ نقلت حركة الياء إلى ما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت الياء فصار أوفوا ، ثم حذفت الواو اتباعا لحذفها في المضارع لوقوعها بين الياء والكسرة فصار أفوا ، ثم حذفت الهمزة للاستغناء عنها فصار فوا على وزن عوا . قوله : ( بيعة الأول فالأول ) معناه إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها سواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين ، وسواء كانا في بلدين أو أكثر ، وسواء كان أحدهما في بلد الإمام المنفصل أم لا ، ولم يبين حكم الثاني في هذا وهو مبين في رواية أخرى فاضربوا عنقه ، وفي رواية أخرى فاضربوه بالسيف كائنا من كان .
قوله : ( أعطوهم حقهم ) ؛ أي أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة ، فإن الله يحاسبهم بالخير والشر عن حال رعيتهم .