حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما ذكر عن بني إسرائيل

حدثني أحمد بن إسحاق ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا همام ، حدثنا إسحاق بن عبد الله قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم . وحدثني محمد ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، أخبرنا همام ، عن إسحاق بن عبد الله قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة رضي الله عنه حدثه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكا ، فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن ، قد قذرني الناس ! قال : فمسحه فذهب عنه ، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا ، فقال : أي المال أحب إليك ؟ قال : الإبل أو قال البقر - هو شك في ذلك ؛ أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر - فأعطي ناقة عشراء فقال : يبارك لك فيها . وأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : شعر حسن ويذهب عني هذا ، قد قذرني الناس ! قال : فمسحه فذهب ، وأعطي شعرا حسنا ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : البقر .

قال : فأعطاه بقرة حاملا وقال : يبارك لك فيها . وأتى الأعمى فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس ! فمسحه فرد الله إليه بصره . قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : قال الغنم .

فأعطاه شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا ، فكان لهذا واد من إبل ولهذا واد من بقر ولهذا واد من الغنم ، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري ! فقال له : إن الحقوق كثيرة . فقال له : كأني أعرفك ! ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله ؟ فقال : لقد ورثت كابرا عن كابر . فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت .

وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا ، فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت . وأتى الأعمى في صورته فقال : رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري ! فقال : قد كنت أعمى فرد الله بصري ، وفقيرا فقد أغناني ، فخذ ما شئت ، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله . فقال : أمسك مالك فإنما ابتليتم ، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك .

مطابقته للترجمة تؤخذ من لفظ الحديث . وأخرجه من طريقين ورجالهما ثمانية ؛ الأول : أحمد بن إسحاق بن الحصين أبو إسحاق السلمي السرماري - بضم السين المهملة وتشديد الراء المفتوحة وقيل بسكونها - نسبة إلى سرمارة قرية من قرى بخارى ، وهو من أقران البخاري وأفراده ، مات يوم الاثنين لست ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين ومائتين . الثاني : عمرو - بفتح العين المهملة - ابن عاصم بن عبيد الله القيسي الكلابي البصري .

الثالث : همام بن يحيى العوذي الأزدي البصري . الرابع : إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، واسمه زيد بن سهل الأنصاري ، ابن أخي أنس بن مالك ، مات سنة أربع وثلاثين ومائة ، وليس له في البخاري عن عبد الرحمن بن أبي عمرة سوى هذا الحديث وآخر في التوحيد . الخامس : عبد الرحمن بن أبي عمرة ، واسمه عمرو بن محصن الأنصاري النجاري ، قاضي أهل المدينة .

السادس : أبو هريرة رضي الله عنه . السابع في السند الثاني : محمد ؛ كذا مجردا ، قال الجياني : لعله محمد بن يحيى الذهلي . ويقال : إنه البخاري نفسه ، والدليل عليه أنه روى عن عبد الله بن رجاء وهو أحد مشايخه ، روى عنه في اللقطة وغيرها بلا واسطة .

الثامن : عبد الله بن رجاء بن المثنى البصري أبو عمرو ، مات سنة تسع عشرة ومائتين . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأيمان والنذور وقال عن عمرو بن عاصم ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن شيبان بن فروخ . ذكر معناه : قوله : ( بدا لله ) بتخفيف الدال المهملة بغير همزة ، كذا ضبطه بعضهم ، ثم قال : أي سبق في علم الله فأراد إظهاره ، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيا لأن ذلك محال في حق الله تعالى .

وقال الكرماني : وقد روى بعضهم بدا الله وهو غلط . وقال صاحب المطالع : ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمزة ؛ أي ابتدأ الله أن يبتليهم . قال : ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ .

وقال الخطابي : معناه قضى الله أن يبتليهم ؛ لأن القضاء سابق . وفي رواية مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بهذا الإسناد بلفظ أراد الله أن يبتليهم ؛ أي يختبرهم . ويروى يبليهم بإسقاط التاء المثناة من فوق .

قوله : ( قد قذرني الناس ) بكسر الذال المعجمة ؛ أي كرهني الناس ، ويروى قد قذروني الناس من باب أكلوني البراغيث ، كذا قاله الكرماني . قوله : ( فمسحه ) ؛ أي مسح على جسمه . قوله : ( فأعطي ) على صيغة المجهول .

قوله : ( فقال : وأي المال ) ، وفي رواية الكشميهني أي المال بلا واو . قوله : ( أو قال البقر ) شك في ذلك ، وصرح في رواية مسلم أن الذي شك هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي الحديث . قوله : ( فأعطي ناقة ) ؛ أي الذي تمنى الإبل أعطي ناقة عشراء - بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة ممدودا - وهي الحامل التي أتى عليها في حملها عشرة أشهر من يوم طرقها الفحل ، وقيل : يقال لها ذلك إلى أن تلد وبعدما تضع ، وهي من أنفس المال .

قوله : ( يبارك لك فيها ) كذا وقع بضم الياء ، وفي رواية شيبان بارك الله بلفظ الفعل الماضي وإظهار الفاعل . قوله : ( فمسحه ) ؛ أي فمسح على عينيه . قوله : ( شاة والد ) ؛ أي ذات ولد ، وقال الجوهري : شاة والد أي حامل ، والشاة تذكر وتؤنث ، وفلان كثير الشاة ، وهو في معنى الجمع .

قوله : ( فأنتج هذان ) ؛ أي صاحب الإبل والبقر ، كذا وقع أنتج وهي لغة قليلة ، والفصيح عند أهل اللغة نتجت الناقة بضم النون ونتج الرجل الناقة أي حمل عليها الفحل ، وقد سمع أنتجت الفرس أي ولدت فهي نتوج ولا يقال منتج . قوله : ( وولد هذا ) بتشديد اللام المفتوحة ؛ أي صاحب الشاة ، وراعى عرف الاستعمال حيث قال في الإبل والبقر أنتج وفي الغنم ولد . قوله : ( من الغنم ) ، ويروى من غنم .

قوله : ( في صورته ) ؛ أي في الصورة التي كان عليها لما اجتمع به وهو أبرص . قوله : ( رجل مسكين ) ، زاد شيبان وابن سبيل ، قال ابن التين : قول الملك له رجل مسكين .. . إلى آخره أراد أنك كنت هكذا ، وهو من المعاريض ، والمراد به ضرب المثل ليتيقظ المخاطب .

قوله : ( الحبال ) بكسر الحاء المهملة وبعدها باء موحدة مخففة جمع حبل ، أراد به الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق ، وقيل العقبات . قال الكرماني : ويروى بالجيم ، وقيل هو تصحيف . وفي التوضيح : ويروى الحيل جمع حيلة ؛ يعني لم يبق لي حيلة .

قوله : ( أتبلغ عليه ) ، وفي رواية الكشميهني : أتبلغ به - وهو بالغين المعجمة من البلغة وهي الكفاية ، والمعنى : أتوصل به إلى مرادي ، يقال تبلغ بكذا أي اكتفى به . قوله : ( يقذرك الناس ) بفتح الذال المعجمة ؛ لأنه من باب علم يعلم . قوله : ( فقيرا ) نصب على الحال .

قوله : ( كابرا عن كابر ) ، هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره لكابر عن كابر ، وفي رواية شيبان إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر ، قال بعضهم : أي كبيرا عن كبير في العز والشرف . قلت : أخذه من كلام الكرماني وليس كذلك ، وإنما المعنى : ورثت هذا المال عن آبائي وأجدادي حال كون كل واحد منهم كابرا عن كابر ؛ أي كبيرا ورث عن كبير . قوله : ( فصيرك الله ) ، وإنما أورده بلفظ الفعل الماضي لإرادة المبالغة في الدعاء عليه ، وإنما أدخلت الفاء فيه لأنه دعاء .

قوله : ( فوالله لا أجهدك اليوم ) بالجيم والهاء ، كذا في رواية كريمة وأكثر روايات مسلم ؛ أي لا أشق عليك في رد شيء تطلبه مني أو تأخذه ، وقال عياض : رواية البخاري لم تختلف أنه لا أحمدك بالحاء المهملة والميم ؛ يعني لا أحمدك على ترك شيء تحتاج إليه من مالي . وقوله : رواية البخاري لم تختلف ليس كذلك ، فإن رواية كريمة بالجيم والحاء كما ذكرناه ، وقال عياض : لم يتضح هذا المعنى لبعض الناس فقال : لعله لا أحدك بالحاء المهملة وتشديد الدال بغير ميم ؛ أي لا أمنعك . قال : وهذا تكلف .

وقال الكرماني ما حاصله : إنه يحتمل أن يكون قوله : لا أحمدك بتشديد الميم ؛ أي لا أطلب منك الحمد ، فيكون من قولهم فلان يتحمد علي أي يمتن ، ويكون المعنى هنا لا أمتن عليك ، يقال من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمد به على الناس . قوله : ( إنما ابتليتم ) ؛ أي إنما امتحنتم . قوله : ( فقد رضي الله عنك .. .

) إلى آخره ، ويروى ورُضي عنك على بناء المجهول ، وكذلك سخط مثله ، وكان الأعمى خير الثلاثة . قال الكرماني رحمه الله : ولا شك أن مزاجه كان أقرب إلى السلامة من مزاجهما ؛ لأن البرص لا يحصل إلا من فساد المزاج وخلل في الطبيعة ، وكذلك ذهاب الشعر أيضا - بخلاف العمى فإنه لا يستلزم فساده ، فقد يكون من أمر خارجي .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث