باب
حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن حميد ابن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج على المنبر ، فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسي فقال : يا أهل المدينة ، أين علماؤكم ؟ سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذه ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم . مطابقته للترجمة في قوله : إنما هلكت بنو إسرائيل . والحديث أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن ابن أبي عمر وعن حرملة بن يحيى وعن عبد بن حميد .
وأخرجه أبو داود في الترجل عن القعنبي به ، وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن سويد بن نصر ، وأخرجه النسائي في الزينة عن قتيبة عن سفيان به . ذكر معناه : قوله : ( عام حج ) ، وفي رواية للبخاري عن سعيد بن المسيب آخر قدمة قدمها وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين وهي آخر حجة حجها معاوية في خلافته . قوله : ( على المنبر ) حال من معاوية ، والمراد به منبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
قوله : ( قصة ) بضم القاف وتشديد الصاد المهملة ، وهي شعر الرأس من جهة الناصية ، وهنا المراد منه قطعة ، من قصصت الشعر أي قطعته . قوله : ( حرسي ) منسوب إلى الحراس أحد الحرس ، وهم الذين يحرسون السلطان . قال الكرماني : الواحد حرسي ؛ لأنه قد صار اسم جنس فنسب إليه ، ولا تقل حارس إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس ، ويطلق الحرسي ويراد به الجندي .
قوله : ( فقال : أهل المدينة ) ؛ أي يا أهل المدينة ، وفي أكثر النسخ لفظ يا غير محذوفة . قوله : ( أين علماؤكم ) ، قال بعضهم : فيه إشارة إلى أن العلماء إذ ذاك فيهم كانوا قليلا ، وهو كذلك لأن غالب الصحابة يومئذ كانوا قد ماتوا ، وكان رَأَى جهالَ عوامهم صنعوا ذلك فأراد أن يذكر علماءهم ويؤنبهم بما تركوه من الإنكار في ذلك . قلت : إن كان غالب الصحابة ماتوا في ذلك الوقت فقد قام مقامهم أكثر منهم جماعة من التابعين الكبار والصغار وأتباعهم ، ولم يكن معاوية قصد هذا المعنى الذي ذكره هذا القائل ، وإنما كان قصده الإنكار عليهم بإهمالهم إنكار مثل هذا المنكر وغفلتهم عن تغييره ، وفي هذا اعتناء الولاة بإزالة المنكرات وتوبيخ من أهملها .
قوله : ( ويقول ) عطف على قوله : وينهى ؛ أي يقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : ( إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها ) ؛ أي حين اتخذ القصة نساؤهم ، وكان هذا سببا لهلاكهم فدل على أن ذلك كان حراما عليهم ، فلما فعلوه مع ما انضم إلى ذلك مما ارتكبوا من المعاصي هلكوا ، وفيه معاقبة العامة بظهور المنكر .