حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب

حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي الصديق الناجي ، عن أبي سعيد رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ، ثم خرج يسأل ، فأتى راهبا فسأله فقال له : هل من توبة ؟ قال : لا . فقتله ، فجعل يسأل ، فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا . فأدركه الموت فناء بصدره نحوها ، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي ، وقال : قيسوا ما بينهما .

فوجد إلى هذه أقرب بشبر ، فغفر له . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو الصديق بكسر المهملتين وتشديد الثانية ، واسمه بكر بن قيس أو بكر بن عمرو الناجي - بالنون وتخفيف الجيم وتشديد الياء - نسبة إلى ناجية بنت غزوان أخت عتبة بن لؤي وهي قبيلة كبيرة ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث . والحديث أخرجه مسلم في التوبة عن بندار به ، وعن عبيد الله بن معاذ ، وعن أبي موسى .

وأخرجه ابن ماجه في الديات عن أبي بكر بن أبي شيبة . قوله : ( ثم خرج يسأل ) ؛ أي عن التوبة والاستغفار ، وفي رواية مسلم من طريق هشام عن قتادة : يسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب . قوله : ( فأتى راهبا ) ، الراهب واحد رهبان النصارى ، وهو الخائف والمتعبد .

قيل : فيه إشعار بأن ذلك كان بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام ؛ لأن الرهبانية إنما ابتدعها أتباعه كما نص عليه في القرآن . قوله : ( فقال له : هل من توبة ؟ ) ؛ يعني فقال للراهب هل من توبة لي ؟ وفي بعض النسخ فقال له توبة ، وقال بعض شراحه : حذف أداة الاستفهام ، وفيه تجريد لأن حق القياس أن يقول ألي توبة ؟ قلت : ليس هذا بتجريد ، وإنما هو التفات ، وقوله : لأن حق القياس غير موجه ؛ لأنه لا قياس هنا ، وإنما يقال في مثل هذا لأن مقتضى الظاهر أن يقال كذا . قوله : ( فقتله ) ؛ أي قتل الراهب الذي سأله وأجابه بلا .

قوله : ( فجعل يسأل ) ؛ أي من الناس ليدلوه على من يأتي إليه فيسأله عن التوبة . قوله : ( فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا ) ، وزاد في رواية هشام : فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ! فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت . قوله : ( فأدركه الموت ) ؛ أي في الطريق ، والفاء فيه فصيحة ، تقديره : فذهب إلى تلك القرية فأدركه الموت ، والمراد إدراك أمارات الموت .

قوله : ( فناء ) بنون ومد وبعد الألف همزة ؛ أي مال بصدره إلى ناحية تلك القرية التي توجه إليها للتوبة والعبادة . وقيل : فنى على وزن سعى بغير مد ؛ أي بَعُد ، فعلى هذا المعنى : بعد عن الأرض التي خرج منها . وقيل : قوله : فناء بصدره مدرج ، والدليل عليه أنه قال في آخر الحديث قال قتادة : قال الحسن : ذكر لنا أنه لما أتاه الموت ناء بصدره .

قوله : ( فاختصمت فيه ) ، وزاد في رواية هشام فقالت ملائكة الرحمة : جاءنا تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى ! وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط ! فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه حكما بينهم ، فقال : قيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيهما كان أدنى فهو لها . قوله : ( فأوحى الله إلى هذه ) ؛ أي إلى القرية المتوجه إليها ( أن تقربي ) ، كلمة أن تفسيرية . قوله : ( وأوحى إلى هذه ) ؛ أي إلى القرية المتوجه منها ( أن تباعدي ) .

قوله : ( قيسوا ما بينهما ) ؛ أي ما بين القريتين ، وقال بعضهم متعجبا : وقعت لي تسمية القريتين المذكورتين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الكبير للطبراني قال فيه أن اسم القرية الصالحة نصرة واسم القرية الآخرة كفرة ، قلت : هذا ليس محل التعجب والاستغراب ، فإن اسمها مذكور في مواضع كثيرة ، وقد ذكرها أبو الليث السمرقندي في تنبيه الغافلين . قوله : ( فوجد إلى هذه ) ؛ أي إلى القرية التي توجه إليها . قوله : ( فغفر له ) ؛ أي غفر الله له .

فإن قيل : حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة ، بل لا بد من الاسترضاء ! وأجيب بأن الله تعالى إذا قبل توبة عبده يُرضي خصمَه . وفي الحديث مشروعية التوبة من جميع الكبائر حتى من قتل النفس ، وقال القاضي : مذهب أهل السنة أن التوبة تكفر القتل كسائر الذنوب ، وما روي عن بعضهم من تشديد في الزجر وتقنيط عن التوبة فإنما روي ذلك لئلا تجترئ الناس على الدماء ، قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ - فكل ما دون الشرك يجوز أن يغفر له ، وأما قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ فمعناه جزاؤه إن جازاه ، وقد لا يجازى بل يعفو عنه ، وإذا استحل قتله بغير حق ولا تأويل فهو كافر يخلد في النار إجماعا . وفيه فضل العالم على العابد ؛ لأن الذي أفتاه أولا بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من استجرائه على قتل هذا العدد الكثير ، وأما الثاني فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة .

وفيه حجة من أجاز التحكيم وأن المحكمان إذا رضيا جاز عليهما الحكم ، وفيه أن للحاكم إذا تعارضت عنده الأحوال وتعذرت البينات أن يستدل بالقرائن على الترجيح ، وفيه من جواز الاستدلال على أن في بني آدم من يصلح للحكم بين الملائكة ، وفيه رجاء عظيم لأصحاب العظائم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث