حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى

حدثنا موسى ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا كليب ، حدثتني ربيبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأظنها زينب قالت : نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الدباء ، والحنتم ، والمقير ، والمزفت ، وقلت لها : أخبريني ، النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن كان ، من مضر كان ؟ قالت : فممن كان إلا من مضر ، كان من ولد النضر بن كنانة . هذا طريق آخر في الحديث المذكور ، وموسى بن إسماعيل التبوذكي . قوله : وأظنها زينب ، الظاهر أن قائله موسى ؛ لأن قيس بن حفص في الرواية السابقة قد جزم بأنها زينب ، وشيخهما واحد ، فإن قلت : قد أخرج الإسماعيلي هذا الحديث من رواية حبان بن هلال عن عبد الواحد ؟ قال : ولا أعلمها إلا زينب ، قلت : فعلى هذا الشك فيه من شيخه عبد الواحد كان يجزم بها تارة ، ويشك فيها أخرى .

قوله : قالت : نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما ذكرت النهي عن هذه الأشياء هنا ؛ لأنها روت الحديث على هذه الصورة . قوله : الدباء ، بضم الدال ، وتشديد الباء الموحدة ، وبالمد القرع ، واحدها دباة . والحنتم ، بفتح الحاء المهملة ، وسكون النون ، وفتح التاء المثناة من فوق ، وفي آخره ميم ، وهي جرار مدهونة خضر كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة ، واحدها حنتمة ، والمقير المطلي بالقار ، وهو الزفت ، وعن أبي ذر صوابه النقير بالنون ، وكسر القاف .

قوله : أخبريني خطاب من كليب لزينب . قوله : النبي ، مبتدأ ، وخبره هو قوله : ممن كان ، يعني : من أي قبيلة . قوله : من مضر ، كأن همزة الاستفهام فيه مقدرة ، أي : أمن مضر كان .

ومضر ، بضم الميم ، وفتح الضاد المعجمة ، هو ابن نزار بن معد بن عدنان ، واشتقاق مضر من المضيرة ، وهو شيء يصنع من اللبن سمي به لبياض لونه ، والعرب تسمي الأبيض أحمر ، فلذلك سميت مضر الحمراء . وقال ابن سيده : سمي مضر ؛ لأنه كان مولعا بشرب اللبن الماضر ، أي : الحامض ، وهو أول من سن للعرب الحداء للإبل ؛ لأنه كان حسن الصوت ، فسقط يوما من بعيره فوثبت يده فجعل يقول : وايداه وايداه ، فأعنقت له الإبل ، وأمه سودة بنت عك ، وقيل : حبيبة بنت عك ، وكان على دين إسماعيل عليه الصلاة والسلام . وقال ابن حبيب : حدثنا أبو جعفر ، عن أبي جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : مات أدد والد عدنان ، وعدنان ، ومعد ، وربيعة ، ومضر ، وقيس غيلان ، وتميم ، وأسد ، وضبة على الإسلام على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلا تذكروهم إلا كما يذكر به المسلمون ، وعن سعيد بن المسيب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لا تسبوا مضر ، فإنه كان مسلما على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وعند الزبير بن بكار من حديث ميمون بن مهران ، عن ابن عباس يرفعه : لا تسبوا مضر ، ولا ربيعة ؛ فإنهما كانا مسلمين .

وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا اختلف الناس فالحق مع مضر ، وروي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إن الله عز وجل اختار هذا الحي من مضر . قوله : فممن كان إلا من مضر ، كلمة إلا استثناء منقطع ، أي : لكن كان من مضر أو الاستثناء من محذوف ، أي : لم يكن إلا من مضر ، والهمزة محذوفة من كان ، وممن كان كلمة مستقلة أو الاستفهام للإنكار . قوله : كان من ولد النضر .

النضر ، بفتح النون ، وسكون الضاد المعجمة ابن كنانة بكسر الكاف ابن خزيمة بن مدركة بلفظ اسم الفاعل ابن إلياس بن مضر ، وهذا بيان له ؛ لأن مضر قبائل ، وهذا بطن منه ، والنضر اسمه قيس ، سمي بالنضر لوضاءته ، وجماله ، وإشراق وجهه ، والنضر هو الذهب الأحمر ، وهو النضار ، وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة ، وكنية النضر أبو يخلد كني بابنه يخلد . وعلم من هذا أن معرفة الأنساب لا يستغنى عنها ، وقد جاء الأمر بتعلمها ، وهو ما رواه أبو نعيم من حديث العلاء بن خارجة المدني ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم . وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثله ، وصححه .

وقال أبو عمر : روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف ، وكفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق . وروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه مثله . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله .

وقد روي من الوجوه الصحاح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على معرفته بأنساب العرب . وروى الترمذي مصححا من حديث عبد الله بن عمرو : خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي يده اليمنى كتاب ، وفي اليسرى كتاب ، فقال : هذا كتاب من رب العالمين ، فيه أسماء أهل الجنة ، وأسماء آبائهم وقبائلهم . وقال أبو محمد الرشاطي : الحض على معرفة الأنساب ثابت بالكتاب والسنة ، وإجماع الأمة ، وبالغ ابن حزم في ذلك .

وقال : لا ينكر حق معرفة النسب إلا جاهل أو معاند . وفرض أن يعلم المرء أن سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو محمد بن عبد الله القريشي الهاشمي ، الذي كان بمكة ، ورحل منها إلى المدينة ، فمن يشك فيه : أهو قريشي أو يماني أو تميمي أو أعجمي فهو كافر غير عارف بدينه إلا أن يعذر بشدة ظلمة الجهل ، فيلزمه أن يتعلم ذلك ، ويلزم من بحضرته تعليمه ، ومن الفرض في علم النسب أن يعرف المرء أن الخلافة لا تجوز إلا من ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، وأن يعرف كل من يلقاه بنسب في رحم محرمه ليجتنب ما حرم عليه ، وأن يعرف كل من يتصل به برحم يوجب ميراثا أو صلة أو نفقة أو عقدا أو حكما ، فمن جهل هذا فقد أضاع فرضا واجبا عليه لازما له من دينه ، وأما الذي يكون معرفته من النسب فضلا في الجميع وفرضا على الكفاية ، فمعرفة أسماء أمهات المؤمنين وأكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين حبهم فرض ، فقد صح أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : آية الإيمان حب الأنصار ، وآية المنافق بغض الأنصار .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث