باب في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
حدثني إسحاق ، حدثنا النضر ، أخبرنا شعبة ، عن أبي جمرة سمعت زهدم بن مضرب قال : سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران : فلا أدري أذكر بعد قوله : قرنين أو ثلاثا ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن . مطابقته للترجمة ظاهرة . وإسحاق هو ابن راهويه ، وبذلك جزم بن السكن وأبو نعيم في المستخرج .
وقال الكرماني : إسحاق إما ابن إبراهيم وإما ابن منصور ، والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل مصغر الشمل بالمعجمة مر في الوضوء ، وأبو جمرة بفتح الجيم وبالراء نضر بن عمران صاحب ابن عباس ، وزهدم بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ، وفي آخره ميم بن مضرب بلفظ اسم الفاعل من التضريب بالضاد المعجمة الجرمي بفتح الجيم . والحديث مضى في كتاب الشهادات في باب : لا يشهد على جور ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : خير أمتي قرني أي : أهل قرني وهم الصحابة ، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة ، واختلف في القرن من عشرة إلى مائة وعشرين ، والأكثرون على أنه ثلاثون سنة .
قوله : ثم الذين يلونهم أي : القرن الذي بعدهم وهم التابعون . قوله : فلا أدري شك عمران بعد قرنه هل ذكر قرنين أو ذكر ثلاثة ، وجاء أكثر طرق هذا الحديث بغير شك . وروى مسلم من حديث عائشة قال رجل : يا رسول الله : أي الناس خير؟ قال : القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث .
وروى الطيالسي من حديث عمر يرفعه خير أمتي القرن الذي أنا فيه والثاني ، ثم الثالث . ووقع في حديث جعدة بن هبيرة ، ورواه ابن أبي شيبة والطبراني إثبات القرن الرابع ، ولفظه : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الآخرون أردى . ورجاله ثقات إلا أن جعدة بن هبيرة مختلف في صحبته ، فإن قلت : روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير أحد التابعين بإسناد حسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير ثلاثا ، ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها .
وروى ابن عبد البر من حديث عمر رضي الله تعالى عنه رفعه : أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني . قلت : لا يقاوم المسند الصحيح والثاني ضعيف . قوله : ثم إن من بعدكم قوما بنصب قوما عند الأكثرين ، ويروى قوم بالرفع قال بعضهم : يحتمل أن يكون من الناسخ على طريقة من لا يكتب الألف في المنصوب ، ويحتمل أن يكون إن تقريرية بمعنى نعم وفيه بعد وتكلف انتهى .
قلت : الاحتمال الأول أبعد من الثاني ، والوجه فيه أن يكون ارتفاع قوم على تقدير صحة الرواية بفعل محذوف تقديره : إن بعدكم يجيء قوم . قوله : يشهدون ولا يستشهدون معناه يظهر فيهم شهادة الزور . قوله : ويخونون ولا يؤتمنون قيل : يطلبون الأمانة ثم يخونون فيها وقيل : ليسوا ممن يوثق بهم .
قوله : وينذرون بضم الذال وكسرها . قوله : ويظهر فيهم السمن بكسر السين وفتح الميم قيل : معناه يكثرون بما ليس فيهم من الشرف ، وقيل : يجمعون الأموال من أي وجه كان وقيل : يغفلون عن أمر الدين ويقللون الاهتمام به ؛ لأن الغالب على السمين أن لا يهتم بالرياضة ، والظاهر أنه حقيقة في معناه وقالوا : المذموم منه ما يتكسبه ، وأما الخلقي فلا .