باب مناقب الأنصار
حدثني عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد افترق ملأهم ، وقتلت سرواتهم ، وجرحوا ، فقدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الإسلام . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث مثل ما في الحديث السابق ، وسنده بعينه مضى في الباب السابق ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهجرة عن عبيد الله بن سعيد . ذكر معناه : قوله : بعاث بضم الباء الموحدة وتخفيف العين المهملة ، وفي آخره ثاء مثلثة ، وهو يوم من أيام الأوس والخزرج معروف ، وقال العسكري : روى بعضهم عن الخليل بن أحمد بالغين المعجمة .
وقال أبو منصور الأزهري : صحفه ابن المظفر وما كان الخليل ليخفى عليه هذا اليوم ؛ لأنه من مشاهير أيام العرب ، وإنما صحفه الليث وعزاه إلى الخليل نفسه ، وهو لسانه ، وذكر النووي : أن أبا عبيدة معمر بن المثنى ذكره أيضا بغين معجمة ، وحكى القزاز في ( الجامع ) أنه يقال بفتح أوله أيضا ، وذكر عياض أن الأصيلي رواه بالوجهين يعني بالعين المهملة والمعجمة ، وأن الذي وقع في رواية أبي ذر بالغين المعجمة وجها واحدا وهو مكان ، ويقال : إنه حصن على ميلين من المدينة ، وقال ابن قرقول : يجوز صرفه وتركه . قلت : إذا كان اسم يوم يجوز صرفه ، وإذا كان اسم بقعة يترك صرفه للتأنيث والعلمية ، وقال أبو موسى المديني : بعاث حصن للأوس ، وقال ابن قرقول : وهو على ليلتين من المدينة ، وكانت به وقعة عظيمة بين الأوس والخزرج قتل فيها كثير منهم ، وكان رئيس الأول فيه حضير ، والد أسيد بن حضير ، وكان يقال له : حضير الكتائب ، وكان فارسهم ، ويقال : إنه ركز الرمح في قدمه يوم بعاث ، وقال : أترون أني أفر فقتل يومئذ ، وكان له حصن منيع يقال له : وأقم ، وكان رئيس الخزرج يومئذ ، وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنين ، وقيل : بأربعين سنة ، وقيل : بأكثر من ذلك ، وقال في ( الواعي ) : بقيت الحرب بينهم قائمة مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام ، وفي ( الجامع ) : كأنه سمي بعاثا لنهوض القبائل بعضها إلى بعض ، وقال أبو الفرج الأصبهاني : إن سبب ذلك أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف ، فقتل رجل من الأوس حليفا للخزرج ، فأرادوا أن يقيدوه فامتنعوا فوقعت بينهم الحرب لأجل ذلك . قوله : يوما قدمه الله لرسوله أي : قدم ذلك اليوم لأجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، إذ لو كان أشرافهم أحياء لاستكبروا عن متابعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولمنع حب رياستهم عن دخول رئيس عليهم فكان ذلك من جملة مقدمات الخير .
وذكر أبو أحمد العسكري في ( كتاب الصحابة ) قال بعضهم : كان يوم بعاث قبل قدوم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخمس سنين . قوله : فقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي : المدينة ، وقد افترق الواو فيه للحال . قوله : ملأهم أي : جماعتهم .
قوله : سرواتهم بفتح السين المهملة والراء والواو أي : خيارهم وأشرافهم ، والسروات جمع السراة وهو جمع السري ، وهو السيد الشريف الكريم ، وقال ابن الأثير : السري النفيس الشريف ، وقيل : السخي ذو مروءة ، والجمع سراة بالفتح على غير قياس ، وقد تضم السين ، والاسم منه السرو . انتهى . قلت : السرو سخاء في مروءة يقال : سرا يسرو ، وسرى بالكسر يسري سروا فيهما ، وسر ويسر وسراوة أي : صار سريا قال الجوهري : جمع السري سراة ، وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ، ولا يعرف غيره ، وجرحوا بضم الجيم وكسر الراء من الجرح ويروى : وحرجوا بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبالجيم من الحرج ، وهو في الأصل الضيق ، ويقع على الإثم والحرام ، وقيل : الحرج أضيق الضيق .
قوله : فقدمه الله أي : فقدم الله ذلك اليوم لرسوله أي : لأجله . قوله : في دخولهم في الإسلام كلمة في هنا للتعليل أي : لأجل دخولهم أي : دخول الأنصار الذين بقوا من الذين قتلوا يوم بعاث في الإسلام ، وجاء في بمعنى التعليل في القرآن والحديث ، أما القرآن فقوله تعالى : فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم : إن امرأة دخلت النار في هرة .