باب قول الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
( باب قول الله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ 286 - حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الله بن داود ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث إلى نسائه فقلن : ما معنا إلا الماء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من يضم أو يضيف هذا ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا ، فانطلق به إلى امرأته فقال : أكرمي ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : ما عندنا إلا قوت صبياني ، فقال : هيئي طعامك ، وأصبحي سراجك ، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء ، فهيأت طعامها ، وأصبحت سراجها ، ونومت صبيانها ، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته ، فجعلا يريانه أنهما يأكلان ، فباتا طاويين ، فلما أصبح غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما ، فأنزل الله : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قد ذكرنا أن المطابقة موجودة ، وعبد الله بن داود بن عامر الهمداني الكوفي سكن الحديبية بالبصرة وهو من أفراده ، وفضيل بن غزوان بن جرير أبو الفضل الكوفي ، وأبو حازم بالحاء والزاي اسمه سلمان الأشجعي ، ولا يشتبه عليك بأبي حازم سلمة بن دينار المذكور في آخر الباب الذي قبله . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن يعقوب بن إبراهيم ، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن زهير بن حرب وأبي كريب ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن أبي كريب ، وأخرجه النسائي فيه عن هناد عن وكيع .
قوله : " فبعث إلى نسائه " أي يطلب منهن ما يضيف الرجل به ، قوله : " فقلن ما معنا " أي ما عندنا إلا الماء ، قوله : " من يضم " أي يجمعه إلى نفسه في الأكل ، قوله : " أو يضيف " شك من الراوي ، من أضاف يضيف ، يقال : ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافة ، وأضفته إذا أنزلته ، وتضيفته إذا نزلت به ، وتضيفني إذا أنزلني ، قوله : " فقال رجل من الأنصار " قيل : هذا أبو طلحة بن زيد بن سهل ، وهو المفهوم من كلام الحميدي لأنه لما ذكر حديث أبي هريرة قال في رواية ابن فضيل : فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة زيد بن سهل ، وقال الخطيب : لا أراه زيد بن سهل بل آخر تكنى أبا طلحة ، ( قلت ) : كأنه استبعد أن يكون أبو طلحة هو زيد بن سهل لأنه كان أكثر الأنصار مالا بالمدينة ، وقال القاضي إسماعيل في ( أحكام القرآن ) : هو ثابت بن قيس بن الشماس ، قال : وذلك لأن رجلا من المسلمين عبر عليه ثلاثة أيام لا يجد ما يفطر به حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس ، وقال ابن بشكوال : قيل هو عبد الله بن رواحة ، وذكر النحاس في تفسير هذه الآية : أنها نزلت في أبي المتوكل الناجي ، ورد عليه بأن أبا المتوكل تابعي ، وقيل : هو أبو هريرة راوي الحديث نسب ذلك إلى البحتري القاضي أحد الضعفاء المتروكين . قوله : " قوت صبياني " ويروى صبيان بدون الإضافة ، قوله : " وأصبحي سراجك " بهمزة القطع أي أوقديه أو نوريه ، قوله : " فجعلا يريانه " بضم الياء من الإراءة ، قوله : " أنهما " أي أن الأنصاري وامرأته ، هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره كأنهما بالكاف ، قوله : " طاويين " حال تثنية طاو وهو الجائع الذي يطوي ليله بالجوع ، قوله : " ضحك الله " يراد بالضحك لازمه ، لأن الضحك لا يصح على الله عز وجل وهو الرضا بذلك ، وكلما جاء هكذا من أمثاله يراد لوازمها ، قوله : " أو عجب " شك من الراوي ، وهو كذلك يراد لازمه وهو الرضا بهذا الفعل ، قوله : " فأنزل الله " هذا هو الأصح في سبب نزول هذه الآية ، وذكر الواحدي عن ابن عمر قال : أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة فقال : إن أخي وعياله أحوج منا إلى هذا ، فبعث به إليه فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أهل أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت : ج١٦ / ص٢٦٥وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ قوله : " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ " قال الزمخشري : ومن غلب ما أمرته به نفسه وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه " فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " الظافرون بما أرادوا ، وقرئ " ومن يوق " بتشديد القاف ، وأصله من الوقاية وهي الحفظ ، " والشح " بالضم والكسر ، وقد قرئ بهما اللوم وأن تكون النفس كزة حريصة على المنع ، وقيل : الشح والبخل بمعنى واحد ، وقيل : الشح أخذ المال بغير حق ، والبخل المنع من المال المستحق ، وقيل : الشح بما في يد الغير والبخل بما في يده ، وقيل : البخيل إذا وجد شبع ، والشحيح لا يشبع أبدا فالشح أعم .