حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم

( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم )

287 - حدثني محمد بن يحيى أبو علي ، حدثنا شاذان أخو عبدان ، حدثنا أبي ، أخبرنا شعبة بن الحجاج ، عن هشام بن زيد قال : سمعت أنس بن مالك يقول : مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال : ما يبكيكم ؟ قالوا : ذكرنا مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - منا ، فدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك قال : فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد عصب على رأسه حاشية برد قال : فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " مطابقته للترجمة في آخر الحديث لأنه عين الترجمة ، ومحمد بن يحيى أبو علي اليشكري المروزي الصائغ بالغين المعجمة كان أحد الحفاظ ، روى عنه مسلم والنسائي أيضا وقال : ثقة ، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، وقيل : مات قبل البخاري بأربع سنين ، ( قلت ) : نعم لأن البخاري مات في سنة ست وخمسين ومائتين ، وشاذان بالمعجمة اسمه عبد العزيز بن عثمان بن جبلة وهو أخو عبدان وهو أكبر من شاذان ، وقد أكثر البخاري في ( صحيحه ) عن عبدان ، وأدرك شاذان ولكنه روى عنه هنا بواسطة ، وأبوهما عثمان بن جبلة ، روى عنه ابنه عبدان عند البخاري ومسلم ، وروى عنه شاذان عند البخاري في غير موضع ، وهشام بن زيد بن أنس بن مالك روى عن جده أنس بن مالك . والحديث أخرجه النسائي أيضا عن شيخ البخاري محمد بن يحيى المذكور في المناقب .

قوله : " والعباس " هو ابن عبد المطلب عم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وكان مرورهما بمجلس من مجالس الأنصار في مرض النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، قوله : " وهم يبكون " جملة حالية ، قوله : " فقال ما يبكيكم " يحتمل أن يكون هذا القائل أبا بكر ، ويحتمل أن يكون العباس ، وقال بعضهم : والذي يظهر لي أنه العباس ، ( قلت ) : لا قرينة هنا تدل على ذلك ، ثم قوي ما قاله من أنه العباس بالحديث الثاني الذي يأتي الآن الذي رواه ابن عباس فقال : هذا من رواية ابنه يعني ابن عباس ، فكأنه سمع ذلك منه ، ( قلت ) : هذا أبعد من ذلك لأن الوصية في حديث ابن عباس أعم من الوصية التي في حديث العباس ، لأنها في حديثه مختصة بالأنصار بخلاف حديث ابن عباس ، فأين ذا من ذاك ؟ حتى يكون هذا دليلا على أن القائل في قوله " فقال ما يبكيكم " هو العباس من غير احتمال أن يكون أبا بكر رضي الله تعالى عنه ، قوله : " ذكرنا مجلس النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " لأنهم كانوا يجلسون معه ، وكان ذلك في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - فخافوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه ، فبكوا حزنا على فوات ذلك ، قوله : " فدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - " أي فدخل هذا القائل ما يبكيكم على النبي - صلى الله عليه وسلم - " فأخبره بذلك " أي بما شاهد من بكائهم ، قوله : " فخرج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " القائل يحتمل أن يكون القائل ج١٦ / ص٢٦٦ما يبكيكم ، ويحتمل أن يكون الراوي وهو أنس رضي الله تعالى عنه ، وهذا هو الأظهر ، قوله : " وقد عصب " الواو فيه للحال ، وعصب بتخفيف الصاد ومصدره عصب وهو متعد ، وكذا عصب بالتشديد ومصدره تعصيب ، يقال عصب رأسه بالعصابة تعصيبا ، قوله : " حاشية برد " بالنصب مفعول عصب ، وفي رواية المستملي : " حاشة بردة " والبرد نوع من الثياب معروف والجمع أبراد وبرود ، والبردة الشملة المخططة ، وقيل كساء أسود مربع تلبسه الأعراب وجمعها برد ، قوله : " كرشي " بفتح الكاف وكسر الراء ، " وعيبتي " بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، والكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان ، والعيبة مستودع الثياب ، والأول أمر باطن ، والثاني ظاهر ، فيحتمل أنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة ، وقال الخطابي : يريد أنهم بطانتي وخاصتي ، ومثله بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه ، وقد يكون المراد بالكرش أهل الرجل وعياله ، والعيبة التي يخزن فيها المرء حر ثيابه أي أنهم موضع سره وأمانته ، وقال ابن دريد : هذا من كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم الموجز الذي لم يسبق إليه ، قوله : " قد قضوا الذي عليهم " وهو ما وقع لهم من المبايعة ليلة العقبة ، فإنهم كانوا بايعوا على أن يؤوا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وينصروه على أن لهم الجنة فوفوا بذلك ، قوله : " وبقي الذي لهم " وهو دخول الجنة ، قوله : " فاقبلوا " أي إذا كان الأمر كذلك فاقبلوا من محسنهم أي من محسن الأنصار ، قوله : " وتجاوزوا " قد ذكرنا أن معناه لا تؤاخذوهم بالإساءة ، والتجاوز عن المسيء مخصوص بغير الحدود ، وفيه وصية عظيمة لأجلهم وفضيلة عزيزة لهم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث