باب هجرة الحبشة . أي هذا باب في بيان هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة ، الهجرة في الأصل : اسم من الهجر ضد الوصل ، وقد هجره هجرا وهجرانا ، ثم غلبت على الخروج من أرض إلى أرض ، وترك الأولى للثانية ، يقال منه : هاجر مهاجرة ، وكان وقوع هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة مرتين : أولاهما كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث ، قال الواقدي : أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا ، وأربع نسوة ، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب ، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة ، وهم : عثمان بن عفان ، وامرأته رقية بنت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة ، وامرأته سهلة بنت سهيل ، والزبير بن العوام ، ومصعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ، وعثمان بن مظعون . وعامر بن ربيعة العنزي ، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، وأبو سبرة بن أبي رهم ، وحاطب بن عمرو ، وسهيل بن بيضاء ، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم ، والثانية من الهجرة فكان أهلها اثنين وثمانين رجلا سوى نسائهم وأبنائهم ، وعمار بن ياسر يشك فيه ، فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلا ، وقد ذكرناهم في تاريخنا الكبير على ما ذكره ابن إسحاق رحمه الله ، وجزم بن إسحاق بأن ابن مسعود كان في الهجرة الثانية . وقالت عائشة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة . هذا تعليق سيأتي موصولا مطولا في باب الهجرة إلى المدينة . قوله : أريت بضم الهمزة على صيغة المجهول . قوله : لابتين تثنية لابة ، واللابة بتخفيف الباء الموحدة ، وهي الحرة ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها ، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين ، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء . قوله : قبل المدينة بكسر القاف وفتح الباء : أي جهة المدينة وناحيتها . فيه عن أبي موسى ، وأسماء عن النبي - صلى الله عليه وسلم أي في هذا الباب روى عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه ، وسيأتي في آخر الباب حديثه مسندا متصلا . قوله : وأسماء هي بنت عميس الخثعمية ، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمها ، روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت أولا تحت جعفر بن أبي طالب ، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ، ثم قتل عنها يوم مؤتة ، فتزوجها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، فمات عنها ، ثم تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وحديثها سيأتي في غزوة خيبر إن شاء الله تعالى . 355 - حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي ، حدثنا هشام ، أخبرنا معمر عن الزهري ، حدثنا عروة بن الزبير ، أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا له : ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان في أخيه الوليد بن عقبة ، وكان أكثر الناس فيما فعل به ، قال عبيد الله : فانتصبت لعثمان حين خرج إلى الصلاة ، فقلت له : إن لي إليك حاجة وهي نصيحة فقال : أيها المرء ، أعوذ بالله منك فانصرفت ، فلما قضيت الصلاة جلست إلى المسور ، وإلى ابن عبد يغوث فحدثتهما بالذي قلت لعثمان ، وقال لي فقالا : قد قضيت الذي كان عليك فبينما أنا جالس معهما إذ جاءني رسول عثمان ، فقالا لي : قد ابتلاك الله ، فانطلقت حتى دخلت عليه ، فقال : ما نصيحتك التي ذكرت آنفا ؟ قال : فتشهدت ، ثم قلت : إن الله بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه الكتاب ، وكنت ممن استجاب لله ، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وآمنت به ، وهاجرت الهجرتين الأوليين ، وصحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأيت هديه ، وقد أكثر الناس في شأن الوليد بن عقبة ، فحق عليك أن تقيم عليه الحد ، فقال لي : يا ابن أخي ، أدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قلت : لا ، ولكن قد خلص إلي من علمه ما خلص إلى العذراء في سترها قال : فتشهد عثمان ، فقال : إن الله قد بعث محمدا – صلى الله عليه وسلم - بالحق . وأنزل عليه الكتاب ، وكنت ممن استجاب لله ورسوله – صلى الله عليه وسلم وآمنت بما بعث به محمد – صلى الله عليه وسلم - وهاجرت الهجرتين الأوليين كما قلت ، وصحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم وبايعته ، والله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ، ثم استخلف الله أبا بكر ، فوالله ما عصيته ولا غششته ، ثم استخلف عمر ، فوالله ما عصيته ولا غششته ، ثم استخلفت ، أفليس لي عليكم مثل الذي كان لهم علي قال : بلى ، قال : فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم ، فأما ما ذكرت من شأن الوليد بن عقبة ، فسنأخذ فيه إن شاء الله بالحق قال : فجلد الوليد أربعين جلدة ، وأمر عليا أن يجلده ، وكان هو يجلده ، وقال يونس وابن أخي الزهري ، عن الزهري أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم . مطابقته للترجمة في قوله : عثمان وهاجرت الهجرتين ، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني ، والحديث قد مر في مناقب عثمان رضي الله تعالى عنه فإنه أخرجه هناك عن أحمد بن شبيب بن سعيد ، عن أبيه ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، ومضى الكلام فيه هناك ، ولكن نتكلم هنا أيضا ؛ لأن الروايتين فيهما من الزيادة والنقصان على ما لا يخفى . قوله : في أخيه الوليد بن عقبة ، وكان أخا عثمان لأمه ، وهاجر الهجرتين الأوليين بضم الهمزة وبالياءين آخر الحروف تثنية أولى ، وهو على طريق التغليب بالنسبة إلى هجرة الحبشة فإنها كانت أولى وثانية ، وأما هجرة المدينة فلم تكن إلا واحدة ، وقال الكرماني : والهجرتين الأوليين : أي هجرة المدينة ، وهجرة الحبشة ، وإنما قال : الأوليين ، أي بالنسبة إلى هجرة من هاجر بعده من الصحابة . قلت : الصواب ما ذكرناه . قوله : رأيت هديه بفتح الهاء وسكون الدال : أي طريقته وسيرته . قوله : يا ابن أخي قال الكرماني : يا ابن أخي ، سهو ، والصواب يا ابن أختي ؛ لأنه كان خاله ، إلا أن يقال : إنه تكلم به على ما هو عادة العرب من قولهم : يا ابن عمي ، ويا ابن أخي . قوله : قد خلص بفتحتين : أي قد وصل ، والعذراء البكر أراد أن علم الشريعة وصل إليه كما وصل إلى المخدرات . قوله : أربعين قيل : مر فيما مضى أنه جلده ثمانين ، وأجيب بأن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد ، وقال بعض العلماء : كان يضربه بسوط له طرفان ، فمن اعتبر الطرفين عده ثمانين ، ومن اعتبر نفس السوط عده أربعين . قوله : وبايعته بالباء الموحدة من المبايعة ، ويروى : وتابعته بالتاء المثناة من فوق من المتابعة . قوله : قال يونس هو ابن يزيد الأيلي ، وابن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وتعليق يونس وصله البخاري في مناقب عثمان ، وتعليق ابن أخي الزهري وصله قاسم ابن أصبغ في مصنفه ، ومن طريقه وصله ابن عبد البر في تمهيده ، والتعليقان والذي بعده من التفسير في رواية المستملي وحده .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/398061
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة