باب قول الله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ
حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر : اللهم أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد ، فأخذ أبو بكر بيده فقال : حسبك ، فخرج وهو يقول : ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾قد مر وجه ذكره . وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، وخالد هو الحذاء ، والحديث قد مضى في كتاب الجهاد في باب ما قيل في درع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فإنه أخرجه هناك عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب ، عن خالد ، إلى آخره . قوله : أنشدك بضم الشين ، أي : أطلب منك الوفاء بما عهدت ووعدت من الغلبة على الكفار والنصر للرسول وإظهار الدين .
قوله : إن شئت لم تعبد أي : إن شئت أن لا تعبد بعد هذا يوم يسلطون على المؤمنين ، وفي حديث عمر : اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض . قوله : حسبك أي : يكفيك من القول فاتركه ، وقال الخطابي : لا يتوهم أن أبا بكر كان أوثق بوعد ربه من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في تلك الحالة لأنه لا يجوز ذلك قطعا ، بل كان الحامل للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على ذلك الشفقة على أصحابه وتقويتهم ؛ إذ كان ذلك أول مشهد شهدوه من لقاء العدو ، فابتهل في الدعاء ليسكنهم ؛ إذ كانوا يعلمون أن وسيلته مقبولة ودعاءه مستجاب ، فلما قال له أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - مقالته كف عن الدعاء ؛ إذ علم أنه استجيب دعاؤه بما وجده أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة حتى قال له ذلك القول ، ولهذا قال بعده : ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾فإن قلت : هل وقع مثل هذا في يوم غير يوم بدر ؟ قلت : روى أبو نعيم من حديث أنس أنه قال يوم أحد : اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض ، والله أعلم .