حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب غزوة أحد

حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء رضي الله عنه قال : لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله ، وقال : لا تبرحوا ؛ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ! فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة ! فقال عبد الله بن جبير : عهد إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا تبرحوا ! فأبوا ، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلا ، وأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال : لا تجيبوه ! فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ قال : لا تجيبوه ! فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال : إن هؤلاء قتلوا ، فلو كانوا أحياء لأجابوا ! فلم يملك عمر نفسه ، فقال : كذبت يا عدو الله ، أبقى الله عليك ما يحزنك ! قال أبو سفيان : اعل هبل ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أجيبوه ! قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا الله أعلى وأجل ! قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أجيبوه ! قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ! قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد الكوفي ، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق يروي عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، والحديث من أفراده .

قوله يومئذ ؛ أي يوم أحد . قوله من الرماة بضم الراء جمع رام ، وفي حديث زهير وكانوا خمسين رجلا . قوله وأمر بتشديد الميم ، من التأمير .

قوله عبد الله هو ابن جبير - بضم الجيم وفتح الباء الموحدة - ابن النعمان بن أمية بن امرئ القيس ، اسمه البرك بن ثعلبة بن عمرو بن عوف الأنصاري ، شهد العقبة ثم شهد بدرا ، وقتل يوم أحد شهيدا ، قال أبو عمر : لا أعلم له رواية عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو أخو خوات بن جبير بن النعمان لأبيه وأمه . قوله إن ظهرنا ؛ أي غلبناهم . قوله وإن رأيتموهم ظهروا علينا ، وفي رواية زهير وإن رأيتمونا تخطفنا الطير ، وفي حديث ابن عباس - رواه أحمد والطبراني والحاكم - أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال لهم : احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا .

قوله يشتددن ، كذا هو في رواية الأكثرين بفتح أوله وسكون الشين المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق وبعدها دال مكسورة ثم أخرى ساكنة ؛ أي يسرعن المشي ، يقال اشتد في مشيه إذا أسرع ، وكذا في رواية الكشميهني وفي رواية زهير ، وله رواية أخرى هنا يسندن بضم أوله وسكون السين المهملة بعدها نون مكسورة ودال مهملة ؛ أي يصعدن ، يقال أسند في الجبل يسند إذا صعد ، وفي رواية الباقين يشددن بفتح أوله وسكون الشين المعجمة وضم الدال الأولى وسكون الثانية . وقال عياض : وقع للقابسي في الجهاد يسندن ، وكذا لابن السكن فيه ، وفي الفضائل وعند الأصيلي والنسفي يشدن بمعجمة ودال واحدة ، وفي رواية أبي داود يصعدن . قوله رفعن عن سوقهن ، ويروى يرفعن ، والسوق جمع ساق ، وذلك ليعينهن ذلك على سرعة الهروب .

قوله قد بدت أي ظهرت خلاخلهن وهو جمع خلخال ، كما أن الخلاخيل جمع خلخال وهما بمعنى واحد . قوله الغنيمة بالنصب ؛ أي خذوا الغنيمة وقد ظهر أصحابكم ، فما تنتظرون ؟ وفي رواية زهير فقال عبد الله : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ قالوا : والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ! قوله فلما أبوا صرف وجوههم ؛ أي تحيروا فلم يدروا أين يذهبون وأين يتوجهون . قوله فأصيب سبعون قتيلا ، ولم يكن في عهده – صلى الله تعالى عليه وسلم - ملحمة هي أشد ولا أكثر قتلى من أحد .

قوله وأشرف أبو سفيان ؛ أي اطلع أبو سفيان بن حرب رئيس المشركين يومئذ . قوله أفي القوم ، الهمزة فيه للاستفهام للاستعلام . قوله أبقى الله عليك ما يحزنك بالحاء المهملة والزاي والنون ، من الحزن ، ويروى ما يخزيك بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وكسر الزاي ، من الخزي .

قوله اعل هبل ، اعل أمر من علا يعلو ، و هبل بضم الهاء وتخفيف الباء الموحدة - اسم صنم كان في الكعبة ، وهو منادى حذف منه حرف النداء ؛ أي يا هبل ، قال ابن إسحاق : معناه ظهر دينك . وقال السهيلي : معناه زد علوا . وفي التوضيح : أي ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت .

قلت : كل هذا ليس معناه الحقيقي ، ولكن في الواقع يرجع معناه إلى هذه المعاني ، قال الكرماني : ما معنى اعل ولا علو في هبل ؟ ثم أجاب بقوله : هو بمعنى العلى ، أو المراد أعلى من كل شيء . انتهى ، قلت : ظن أنه أعلى هبل على وزن أفعل التفضيل ، فلذلك سأل بما سأل وأجاب بما أجاب وهو واهم في هذا ، والصواب ما ذكرناه . قوله العزى وهو تأنيث الأعز بالزاي ، وهو اسم صنم لقريش ، ويقال العزى سمرة كانت غطفان يعبدونها وبنوا عليها بيتا وأقاموا لها سدنة ، فبعث إليها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه فهدم البيت وأحرق السمرة وهو يقول : يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك قوله الله مولانا ولا مولى لكم ؛ أي : الله ناصرنا ولا ناصر لكم .

قوله يوم بيوم بدر ؛ أي هذا يوم بمقابلة يوم بدر ، لأن في بدر قتل منهم سبعون وفي أحد قتلوا سبعين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . قوله والحرب سجال ؛ يعني ساجلة ، يعني متداولة ، يوم لنا ويوم علينا . قوله وتجدون ، وفي رواية الكشميهني وستجدون .

قوله مثلة بضم الميم على وزن فعلة ، من مثل إذا قطع وجذع كما فعلوا بحمزة رضي الله تعالى عنه ، قال ابن إسحاق : حدثني صالح بن كيسان قال : خرجت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى ؛ يجذعن الآذان والأنوف ، حتى اتخذت هند من ذلك خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها - أي اللاتي كن عليها - لوحشي جزاء له على قتل حمزة رضي الله تعالى عنه ، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها . قوله لم آمر بها ؛ أي بالمثلة ، وفي رواية ابن إسحاق والله ما رضيت وما سخطت ، وما نهيت وما أمرت ، وفي حديث ابن عباس : ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا ، ثم أدركته حمية الجاهلية أما إنه إذ كان لم يكرهه . قوله ولم تسؤني ؛ أي والحال أن المثلة التي فعلوها لم تسؤني ، وإن كنت ما أمرت .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث