باب من قتل من المسلمين يوم أحد ، منهم حمزة بن عبد المطلب واليمان وأنس بن النضر ومصعب بن عمير
حدثني عمرو بن علي ، حدثنا معاذ بن هشام قال : حدثني أبي ، عن قتادة قال : ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار . مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه ، وعمرو بن علي بن بحر أبو حفص البصري الصيرفي ، ومعاذ - بضم الميم - ابن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي البصري سكن ناحية اليمن ، يروي عن أبيه عبد الله ، واسمه سفيان ، قال عمرو بن علي : مات سنة ثلاث وخمسين ومائة . قوله أعز بالعين المهملة والزاي ، من العزة ، وفي رواية الكشميهني أغر بالغين المعجمة والراء ، وانتصابه إما على أنه صفة أو بدل أو عطف بيان .
وقال الكرماني : جاز حذف حرف العطف كما في التحيات المباركات - وفيه نظر . قال قتادة : وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون . قال : وكان بئر معونة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب .
هو موصول بالإسناد المذكور ، وأراد قتادة بذلك اعتضاد كلامه الأول . قوله قتل منهم ؛ أي من الأنصار ، هذا ظاهر الكلام ، إلا أن الذي قتل من المهاجرين قليل ؛ وهم حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ومصعب بن عمير ، وهؤلاء ذكرهم ابن إسحاق لأنه ذكر من استشهد من المسلمين بأحد فبلغوا خمسة وستين منهم أربعة من المهاجرين وهم الذين ذكرناهم ، وروى ابن منده من حديث أبي بن كعب قال : قتل من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ، ومن المهاجرين ستة - وصححه ابن حبان ، وقد ذكر موسى بن عقبة سعدا مولى حاطب ، والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس . قوله ويوم بئر معونة ؛ أي قتل يوم بئر معونة - بفتح الميم وضم العين المهملة وبالنون - وهو ماء لبني سليم وهو بين أرض بني عامر وأرض بني سليم ، وذكر الكندي أن بئر معونة من جبال ليلى في طريق المصعد من المدينة إلى مكة ، وقال ابن دحية : هي بئر بين مكة وعسفان وأرض هذيل .
وجزم ابن التين بأنها على أربع مراحل من المدينة ، وقال ابن إسحاق : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني بعد أحد - بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم ، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد . وقال موسى بن عقبة : وكان أمير القوم المنذر بن عمرو ، ويقال مرثد بن أبي مرثد ، وأغرب مكحول حيث قال إنها كانت بعد الخندق ، وسيأتي أنه - صلى الله عليه وسلم - أرسل سبعين رجلا لحاجته يقال لهم القراء فتعرض لهم حيان من بني سليم - رعل وذكوان - عند بئر معونة فقتلوهم ، فدعا عليهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شهرا في صلاة الغداة وذاك بدء القنوت . قوله ويوم اليمامة ؛ أي قتل يوم اليمامة سبعون ، واليمامة مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف ، ولما تولى أبو بكر رضي الله تعالى عنه الخلافة بعد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أرسل جيشا إلى قتال مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة ، وجعل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أميرا عليهم ، وقصته طويلة ، وملخصها أن خالدا لما قرب من مسيلمة وتواجه الفريقان وقع حرب عظيم وصبر المسلمون صبرا لم يعهد مثله حتى فتح الله عليهم وولى الكفار الأدبار ، ودخل أكثرهم الحديقة وأحاط بهم الصحابة ، ثم دخلوها من حيطانها وأبوابها فقتلوا من فيها من المرتدة من أهل اليمامة حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله ، فتقدم إليه وحشي بن حرب قاتل حمزة رضي الله تعالى عنه فرماه بحربة فأصابته وخرجت من الجانب الآخر ، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن حرب فضربه بالسيف فسقط ، وكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل ، وقيل أحد وعشرون ألفا ، وقتل من المسلمين ستمائة ، وقيل خمسمائة ، والله أعلم ، وفيهم من الصحابة سبعون رجلا ، ويقال كان عمر مسيلمة يوم قتل مائة وأربعين سنة .