باب غزوة الخندق وهي الأحزاب
حدثني عمرو بن علي ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان ، أخبرنا سعيد بن ميناء قال : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : لما حفر الخندق رأيت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خمصا شديدا ، فانكفأت إلى امرأتي فقلت : هل عندك شيء ؟ فإني رأيت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمصا شديدا ! فأخرجت إلي جرابا فيه صاع من شعير ، ولنا بهيمة داجن فذبحتها ، وطحنت الشعير ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها ، ثم وليت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : لا تفضحني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبمن معه ! فجئته فساررته فقلت : يا رسول الله ، ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعا من شعير كان عندنا ، فتعال أنت ونفر معك ! فصاح النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أهل الخندق ، إن جابر قد صنع سورا ، فحي هلا بكم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجِيءَ ! فجئت ، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدم الناس ، حتى جئت امرأتي فقالت بك وبك ! فقلت : قد فعلت الذي قلت ! فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ، ثم قال : ادع خابزة فلتخبز معك ، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها ! وهم ألف ، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا ، وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو ! هذا طريق آخر في حديث جابر المذكور ، أخرجه عن عمرو بن علي بن بحر البصري الصيرفي عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد وهو شيخ البخاري أيضا ، روى عنه هنا بالواسطة . وسعيد بن ميناء - بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالنون مقصورا وممدودا . والحديث مضى في الجهاد مختصرا بعين هذا الإسناد في باب من تكلم بالفارسية والرطانة .
قوله خمصا بفتح الخاء المعجمة وفتح الميم وقد تسكن وبالصاد المهملة ، وهو الجوع . قوله فانكفأت ؛ أي انقلبت ، وأصله بالهمزة ، وفي بعض النسخ فانكفيت بدون الهمزة . قوله بهيمة بضم الباء الموحدة تصغير بهمة ، وهي الصغيرة من أولاد الغنم .
قوله داجن بكسر الجيم ، وهو من أولاد الغنم يربى في البيوت ولا يخرج إلى المرعى ، واشتقاقه من الدجن وهو الإقامة بالمكان ، ولم تدخل التاء فيه لأنه صار اسما للشاة . قوله وطحنت ؛ أي امرأة جابر . قوله ففرغت إلى فراغي ؛ أي فرغت امرأتي من طحن الشعير مع فراغي من ذبح البهيمة ، والفراغ بفتح الفاء مصدر ، فرغت من الشغل فروغا وفراغا .
قوله ثم وليت ؛ أي رجعت . قوله فقالت ؛ أي عقيب رجوعي إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قالت امرأتي لا تفضحني . قوله فساررته ؛ أي قلت له سرا .
قوله فتعال بفتح اللام ، أمر من تعالى يتعالى تعاليا ، وهو الارتفاع . قوله سورا بضم السين المهملة وسكون الواو بغير همز ، ومعناه الصنيع بالحبشية ، وقيل معناه العرس بالفارسية ، ويطلق أيضا على البناء الذي يحيط بالمدينة ، وأما السؤر بالهمزة وهو البقية ، والذي يحفظ أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - مما تكلم به من الأعجمية هذه اللفظة وقوله للحسن رضي الله تعالى عنه كخ ولعبد الرحمن مهيم أي ما هذا ، ولأم خالد سنا سنا يعني حسنه . وذكر ابن فارس أن معنى مهيم ما حالك وما شأنك ، ولم يذكر أنها أعجمية ، وقال الهروي : إنها كلمة يمانية .
قوله فحي هلا بكم ، هي كلمة استدعاء فيها حث ؛ أي هلموا مسرعين ، ومنه حي على الصلاة بمعنى هلموا ، وفيها لغات ؛ يقال حيهل بفلان وحيهلا بزيادة الألف وحيهلا بالتنوين للتنكير وحيهلا بتخفيف الياء ، وروي حيهل بالتشديد وسكون الهاء . قوله يقدم الناس بضم الدال . قوله فقالت بك وبك ، الباء فيه تتعلق بمحذوف تقديره فعل الله بك كذا وكذا حيث أتيت بناس كثير والطعام قليل ، وذلك موجب للخجلة .
قوله فبصق ، وجاء فيه بزق ، وبسق بالسين والزاي . قوله ثم عمد بكسر الميم ؛ أي قصد . قوله وبارك ؛ أي دعا بالبركة .
قوله واقدحي ؛ أي اغرفي ، يقال قدح القدر إذا غرف ما فيها ، والقدحة الغرفة . قوله وهم ألف ؛ أي والحال أن القوم ألف ، وفي رواية أبي نعيم في المستخرج أنهم كانوا سبعمائة أو ثمانمائة ، والحكم للزائد لزيادة عمله . قوله وانحرفوا ؛ أي مالوا عن الطعام .
قوله لتغط بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة ؛ أي تغلي وتفور من الامتلاء فيسمع غطيطها ، وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم .