باب غزوة الخندق وهي الأحزاب
حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه قال : أتيت جابرا رضي الله عنه فقال : إنا يوم الخندق نحفر ، فعرضت كدية شديدة ، فجاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : هذه كدية عرضت في الخندق ! فقال : أنا نازل . ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم ! فقلت : يا رسول الله ، ائذن لي إلى البيت ! فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ما كان في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق - فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ، ثم جئت النبي - صلى الله عليه وسلم - والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ، فقلت : طعيم لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان ! قال : كم هو ؟ فذكرت له ، قال : كثير طيب ! قال : قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي ! فقال : قوموا ! فقام المهاجرون والأنصار ، فلما دخل على امرأته قال : ويحك ! جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! قالت : هل سألك ؟ قلت : نعم . فقال : ادخلوا ولا تضاغطوا .
فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا ، وبقي بقية ! قال : كلي هذا وأهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة . مطابقته للترجمة في قوله يوم الخندق ، وخلاد - على وزن فعال بالتشديد - ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي ، مات بمكة قريبا من سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وهو من أفراده . وعبد الواحد بن أيمن - ضد الأيسر - يروي عن أبيه أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمر المخزومي القرشي المكي ، من أفراد البخاري ، والحديث أيضا من أفراده .
قوله يوم الخندق نصب على الظرف . قوله نحفر خبر إن . قوله كدية بضم الكاف وسكون الدال المهملة وبالياء آخر الحروف ، وهي القطعة الصلبة من الأرض لا يؤثر فيها المعول ، ووقع في رواية أبي ذر كبدة بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة قبل الدال ، وقال عياض : كأن المراد أنها واحدة الكبد وهو الجبل .
وقال الخطابي : كبدة بالباء الموحدة إن كانت محفوظة فهي القطعة من الأرض الصلبة ، وأرض كبداء وقوس كبداء أي شديدة . ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني كندة بنون ، وعند ابن السكن كتدة بفتح التاء المثناة من فوق ، وقال عياض : لا أعرف لها معنى . وفي رواية كذانة بذال معجمة ونون وهي القطعة من الجبل ، وعند ابن إسحاق صخرة ، وفي رواية عبلة وهي الصخرة الصماء وجمعها عبلات ويقال لها العبلاء والأعبل وكلها الصخرة .
قوله وبطنه معصوب بحجر ، زاد يونس في روايته من الجوع ، وفي رواية أحمد أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على بطنه حجرا من الجوع ، فإن قلت : ما كان فائدة ربط الحجر ؟ فهل ذلك يدفع الجوع أم لا ؟ قلت : قيل إن البطن يضمر من الجوع ، فيربط الحجر على البطن ليدفع انحناء الصلب ؛ لأن الجائع ينحني صلبه إذا اشتد به الجوع . وقال الكرماني : فائدته تسكين حرارة الجوع ببرودة الحجر ، أو ليعتدل قائما ، أو لأنها حجارة رقاق تشد العروق والأمعاء فلا ينحل مما في البطن فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل . وقال ابن حبان : الصواب الحجز بالزاي ، إذ لا معنى لشد الحجر على البطن من الجوع - ورد عليه بما جاء في الرواية التي تأتي رأيت بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - خمصا شديدا والخمص الجوع ، قلت : فيه نظر لا يخفى .
قوله ذواقا بفتح الذال المعجمة ، وقال ابن الأثير : الذواق المأكول والمشروب ، فعال بمعنى مفعول ، من الذوق ، ويقع على المصدر والاسم ، يقال ذقت الشيء أذوقه ذوقا وذواقا ، وما ذقت ذواقا أي شيئا . قوله المعول بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو وفي آخره لام ، وهو الفأس الذي يكسر به الحجر ، وقال بعضهم : المعول المسحاة . قلت : هذا التفسير غير صحيح ، والمعول الفأس كما ذكرنا ، والميم فيه زائدة ، والمسحاة المجرفة من الحديد والميم فيها أيضا زائدة لأنها من السحو وهو الكشف والإزالة ، ومن الدليل على المغايرة رواية أحمد رحمه الله فأخذ المعول أو المسحاة بالشك .
قوله فضرب ؛ أي الكدية ، وفي رواية الإسماعيلي ثم سمى ثلاثا ثم ضرب ، وعند الحارث بن أبي أسامة من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان قال : ضرب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الخندق ثم قال : بسم الله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا حبذا ربا وحبذا دينا قوله كثيبا بفتح الكاف وكسر الثاء المثلثة ، هو الرمل ، قال الله تعالى : كَثِيبًا مَهِيلا ؛ أي تفتت حتى صار كالرمل يسيل ولا يتماسك . قوله أهيل ، الأهيل هو أن ينهال فيسيل من لينه ويتساقط من جوانبه ، وفي رواية أحمد كثيبا يهال . قوله أو أهيم شك من الراوي ؛ أي أو عاد كثيبا أهيم ، وهو بمعنى الأهيل ، والهيام من الرمل ما كان دقاقا يابسا ، وفي رواية الإسماعيلي أهيل بغير شك ، وكذا في رواية يونس ، وقال عياض : ضبطها بعضهم أهثم بالثاء المثلثة ، وبعضهم بالتاء المثناة من فوق وفسرها بأنها تكسرت ، والمعروف بالياء آخر الحروف .
قوله ائذن لي إلى البيت ؛ أي ائذن لي حتى آتي بيتي . قوله فقلت لامرأتي ، وفيما قبله حذف تقديره فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يأتي إلى بيته فقال ما ذكر هنا وهو قوله فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - شيئا ؛ يعني من الجوع ، واسم المرأة سهيلة بنت مسعود بن أوس الظفرية الأنصارية ، بايعت . قوله عندي شعير ، بين يونس بن بكير في روايته أنه صاع .
قوله عناق بفتح العين ؛ الأنثى من أولاد المعز . قوله فذبحت ، الذابح هو جابر ، يخبر عن نفسه بذلك . قوله وطحنت ؛ أي امرأته ، وفي رواية أحمد عن سعيد فأمرت امرأتي فطحنت وصنعت لنا خبزا .
قوله حتى جعلنا ، وفي رواية الكشميهني حتى جعلت . قوله في البرمة بضم الباء الموحدة وسكون الراء ، وهي القدر مطلقا ، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن . قوله والعجين قد انكسر ؛ يعني لان وتمكن فيه الخمير .
قوله الأثافي بفتح الهمزة جمع الأثفية بضم الهمزة ، وقد تخفف الياء في الجمع ، وهي الحجارة التي تنصب وتوضع القدر عليها ، يقال أثفيت القدر إذا جعلت لها الأثافي ، وثفيتها إذا وضعتها عليها ، والهمزة فيه زائدة . قوله طعيم مصغر طعام ، صغره لأجل قلته ، وقال ابن التين : ضبطه بعضهم بتخفيف الياء وهو غلط - قلت : لأن طعيم بتخفيف الياء تصغير طعم لا تصغير الطعام . قوله لي صفة طعيم ؛ أي مصنوع لأجلي .
قوله فقم أنت يا رسول الله ورجل ، قوله أو رجلان شك من الراوي ، وفي رواية يونس ورجلان بلا شك . قوله فقال : كم هو ؟ ؛ أي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كم طعامك . قوله فذكرت له ؛ أي لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وبينت له الطعام .
قوله فقال : كثير طيب ؛ أي فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - طعام كثير طيب . قوله لا تنزع البرمة ؛ أي من فوق الأثافي . قوله ولا الخبز ؛ أي ولا تنزع الخبز من التنور .
قوله حتى آتي ؛ أي إلى أن آتي بيتكم ، أي أجيء . قوله فقال : قوموا ؛ أي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن كان عنده من الصحابة قوموا إلى أكل جابر . قوله قالت : هل سألك ؟ ؛ أي قالت امرأة جابر له هل سألك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حال الطعام ، وفي رواية يونس فقالت : الله ورسوله أعلم ، نحن قد أخبرنا بما عندنا ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر أنها قالت لجابر : فارجع إليه فبين له - فأتيته فقلت : يا رسول الله ، إنما هو عناق وصاع من شعير ! قال : فارجع ولا تحركن شيئا من التنور ولا من القدر حتى آتيها ، واستعر صحافا .
قوله فقال : ادخلوا ؛ أي فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لمن معه من المهاجرين والأنصار ادخلوا الدار . قوله ولا تضاغطوا ؛ أي ولا تزدحموا ، ومادته ضاد وغين معجمتان وطاء مهملة ، من الضغطة . قوله فجعل ؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله وأهدى بهمزة قطع ، من الإهداء لا من الهدية كما قال بعضهم . قوله فإن الناس .. . إلى آخره - بيان سبب الإهداء ، وفي رواية يونس كلي وأهدي - فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر فأكلنا وأهدينا لجيراننا ، وهذا كله من علامات النبوة .