باب غزوة ذات الرقاع
حدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلى صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو ، فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائما ، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا ، فصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى ، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا ، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويزيد من الزيادة ابن رومان بضم الراء مولى الزبير بن العوام ، وصالح بن خوات بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ابن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة ابن النعمان الأنصاري . والحديث أخرجه بقية الجماعة كلهم في الصلاة ، فمسلم عن يحيى بن يحيى ، وغيره وأبو داود عن القعنبي ، والترمذي عن بندار ، والنسائي عن قتيبة ، وابن ماجه عن بندار به .
قوله : عمن شهده مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويروى : عمن شهد مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قيل : اسم هذا المبهم سهل بن أبي حثمة قال المزي : هو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة ، واسم أبي حثمة عامر بن ساعدة الأنصاري ، وقال بعضهم : الراجح أنه أبو صالح المذكور ، وهو خوات بن جبير ، واحتج على ذلك بأن أبا أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه ، فقال : عن صالح بن خوات ، عن أبيه ، أخرجه ابن منده في معرفة الصحابة من طريقه انتهى . قلت : الذي يظهر أن صالحا سمعه من أبيه ، ومن سهل بن أبي حثمة ، فلذلك كان يبهمه تارة كما في الطريق المذكور ، ويفسره أخرى كما في الطريق الذي يأتي الآن ، ولا يقال : هذه رواية عن مجهول ؛ لأن الصحابة كلهم عدول ، فلا يضر ذلك . قوله : معه أي مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله : وجاه العدو أي محاذيهم ومواجههم ، والوجاه بضم الواو وكسرها . قال مالك : وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف . هذا موصول بالإسناد المذكور ، ثم كلام مالك هذا يقتضي أنه سمع في كيفية صلاة الخوف صفات متعددة ، واختار منها في العمل حديث صالح بن خوات المذكور أشار إليه بقوله : وذلك أحسن ما سمعت ، ووافقه على ذلك الشافعي وأحمد وأبو داود ، ثم إن بعض العلماء حملوا اختلاف الصفات في صلاة الخوف على اختلاف الأحوال ، وبعضهم حملوها على التوسع والتخيير ، وقد مر الكلام فيه مستقصى في أبواب صلاة الخوف .
وقال معاذ : حدثنا هشام ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بنخل فذكر صلاة الخوف . كذا وقع معاذ بغير نسبة عند الأكثرين ، ووقع عند النسفي قال معاذ بن هشام : أخبرنا هشام ، وقال بعضهم : فيه رد على أبي نعيم ومن تبعه في الجزم بأن معاذا هذا هو ابن فضالة شيخ البخاري . قلت : وقوع معاذ بغير نسبة يحتمل الوجهين على ما لا يخفى ، وقول أبي نعيم مترجح ؛ حيث قال : أخبرنا هشام ، ولم يقل : أخبرنا أبي ، وكل من معاذ وهشام ذكر مجردا ، أما معاذ بن هشام على قول النسفي فهو ثقة صاحب غرائب ، وأما هشام الذي روى عنه معاذ فهو هشام ابن أبي عبد الله الدستوائي البصري ، واسم أبي عبد الله سنبر ، روى عنه ابنه معاذ ، ويحيى القطان في آخرين ، وقال عمرو بن علي : مات سنة ثلاث وخمسين ومائة ، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس بلفظ مخاطب المضارع من الدراسة .
قوله : بنخل مر تفسيره عن قريب عند قوله : فنزل نخلا ، وفائدة إيراد البخاري هذا الحديث مختصرا معلقا هي ما قيل : إنه أشار إلى أن روايات جابر متفقة على أن الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع ، وقال بعضهم : فيه نظر ؛ لأن سياق رواية هشام عن أبي الزبير هذه تدل على أنه حديث آخر في غزوة أخرى ، قلت : لا نسلم ذلك ؛ لأنه ذكر فيما مضى عن قريب عن جابر : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذات الرقاع من نخل ، فلقي جمعا من غطفان .. . إلى آخره .