باب قول الله عز وجل وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا
( باب قول الله عز وجل : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ إلى قوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ أي هذا باب في ذكر قول الله عز وجل : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إلى آخره ، هكذا وقع في رواية أبي ذر ، ووقع في رواية غيره إلى قوله : ثُمَّ أَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ثم قال إلى : غَفُورٌ رَحِيمٌ ووقع في رواية النسفي : باب غزوة حنين ، وقول الله تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ إلى قوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ قوله : " وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إلى آخره " ، وأول ج١٧ / ص٢٩٤الآية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وأراد بالمواطن الكثيرة وقعات بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر ، وفتح مكة ، وقوله : " وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " عطف على المواطن ، قال الزمخشري : فإن قلت : كيف عطف الزمان على المكان ، وهو يوم حنين على المواطن قلت : معناه : وموطن يوم حنين أو في أيام مواطن كثيرة ، ويوم حنين ، وحنين واد بين مكة والطائف ، وقال البكري : هو واد قريب من الطائف ، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا ، والأغلب عليه التذكير لأنه اسم ماء ، وقيل : إنه سمي بحنين بن قانية بن مهلاييل ، قوله : إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ إما بدل من يوم حنين ، والتقدير : اذكر إذ أعجبتكم عند الملاقاة مع الكفار كثرتكم ، فلم تغن الكثرة عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ، وكلمة " ما " مصدرية ، والباء بمعنى " مع " أي : مع رحبها ، أي : وسعها ، ثم وليتم مدبرين ، أي : منهزمين ، وقال ابن جريج : عن مجاهد : هذه أول آية نزلت من سورة براءة يذكر الله للمؤمنين فضله عليهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة ، وأن ذلك من عنده لا بعددهم ولا عددهم ، ونبههم على أن النصر من عنده سواء ، قل الجمع أو كثر ، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا ، قوله : " مُدْبِرِينَ " إلا القليل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين كانوا معه كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى . واعلم أن وقعة حنين كانت بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة ، وذلك لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتح مكة ، وتمهدت له أمورها ، وأسلم عامة أهلها ، وأطلعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلغه أن هوازن قد جمعوا له ليقاتلوه وأميرهم مالك بن عون النضري ومعه ثقيف بكمالها وبنو جشم ، وبنو سعد بن بكر ، وأوزاع من بني هلال ، وهم قليل ، وناس من بني عمرو بن عامر ، وعون بن عامر ، وأقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم ، وجاءوا بقضهم وقضيضهم ، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه الذين جاءوا معه للفتح ، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين ، فسار بهم إلى العدو فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين ، فكانت فيه الوقعة من أول النهار في غلس الصبح ، وانحدروا في الوادي ، وقد كمنت فيه هوازن ، فلما توجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ساوروهم ورشقوا بالنبال ، وأصلتوا السيوف ، وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم ، فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ على بغلته الشهباء يسوقها إلى نحو العدو ، والعباس آخذ بركابه الأيمن ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابه الأيسر يثقلانه لئلا يسرع السير ، وهو ينوه باسمه ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول : أي عباد الله إلي ، أنا رسول الله ، ويقول في تلك الحال :
قوله : " ثُمَّ أَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ " أي : الأمنة والطمأنينة بعد الهزيمة ، وقال الزمخشري : رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ، قوله : " وَأَنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا " قال ابن عباس : يعني الملائكة ، وكانوا ثمانية آلاف ، وقيل : خمسة آلاف ، وقيل : ستة عشر ألفا ، وكان سيماهم عمائم حمرا قد أرخوها بين أكتافهم ، قوله : " وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا " أي : بالقتل والهزيمة ، وقيل بالخوف ، وقيل بالأسر وسبي الأولاد ، وسبى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منهم ستة آلاف رأس ، ومن الإبل أربعة وعشرين ألف بعير ، ومن الغنم أكثر من أربعين ألفا ، ومن الفضة أربعة آلاف أوقية ، قوله : " وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ " أي : ما ذكر من القتل والأسر جزاء الكافرين ، قوله : ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف منه ، والله غفور رحيم ، وقد تاب الله على بقية هوازن وأسلموا وقدموا مسلمين ، ولحقوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد قارب مكة عند الجعرانة ، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما ، فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وأموالهم فاختاروا سبيهم ، وقسم أموالهم بين الغانمين ، ونفل ناسا من الطلقاء لتتألف قلوبهم على الإسلام ، فأعطاهم مائة مائة من الإبل ، وكان من جملة من أعطى مائة مالك بن عوف النضري ، فاستعمله على قومه كما كان وقال أبو عمر : مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نضر بن معاوية بن بكر بن هوازن النضري ، انهزم يوم حنين كافرا ، ولحق بالطائف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أتاني مسلما لرددت إليه أهله وماله ، فبلغه ذلك فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج من الجعرانة ، فأسلم وأعطاه من الإبل كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم ، وهو أحدهم ، وحسن إسلامه فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها :