باب غزوة الطائف
حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا عمرو بن يحيى ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد بن عاصم ، قال : لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا ، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، فخطبهم فقال : يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ، كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن ، قال : ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن ، قال : لو شئتم قلتم : جئتنا كذا وكذا ، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها ، الأنصار شعار ، والناس دثار ، إنكم ستلقون بعدي أُثْرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض . مطابقته للترجمة في قوله : يوم حنين ، ووهيب مصغر وهب ، ابن خالد البصري ، وعمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني ، وعباد بتشديد الباء الموحدة ابن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني ، سمع عمه عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو الأنصاري المازني المدني ، له ولأبويه ولأخيه حبيب صحبة ، وهو الذي حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم . وأخرج البخاري في التمني بعض هذا الحديث ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن شريح بن يونس .
قوله : لما أفاء الله على رسوله أي : لما أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين ، وأصل الفيء الرجوع ، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئا ؛ لأنه يرجع من جانب إلى جانب ، ومنه سميت أموال الكفار فيئا ؛ لأنها كانت في الأصل للمؤمنين ؛ لأن الإيمان هو أصل والكفر طارئ عليه ، ولكنهم غلبوا عليها بالتعدي ، فإذا غنمها المسلمون فكأنها رجعت إليهم ، قوله : قسم مفعوله محذوف ، أي : قسم الغنائم في الناس ، قوله : في المؤلفة قلوبهم بدل البعض من الكل ، والمراد بالمؤلفة قلوبهم هنا ناس حديثو العهد بالإسلام ، أعطاهم تأليفا لقلوبهم وسرد أصحاب السير أسماءهم ما ينيف على الأربعين منهم أبو سفيان وابناه معاوية ويزيد ، قوله : وجدوا أي : حزنوا ، يقال وجد في الحزن وجدا بفتح الواو ، ووجد في المال وجدا بالضم ، ووجدا بالفتح ، ووجدا بالكسر وجدة ، أي : استغنى ، ووجد مطلوبه يجده وجودا ، ووجد ضالته وجدانا ، ووجد عليه في الغضب موجدة ووجدانا أيضا حكاها بعضهم ، وفي رواية أبي ذر فكأنهم وجد بضمتين جمع الواجد ، ويروى بضم الواو ، وسكون الجيم ، وحاصل رواية أبي ذر فكأنهم وجد ، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس أو كأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، أورده على الشك والتكرار ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما فائدة التكرار ؟ قلت : إذا كان الأول اسما ، والثاني فعلا فهو ظاهر ، أو أحدهما من الحزن ، والثاني من الغضب ، أو هو شك من الراوي ، ووقع للكشميهني وحده وجدوا في الموضعين ، وكذا وقع في أصل النسفي ، وفي رواية مسلم ، وقال عياض : وقع في نسخة من الثاني : إن لم يصبهم يعني بفتح الهمزة وبالنون ، قال : وعلى هذا تظهر فائدة التكرار ، قوله : فخطبهم زاد مسلم : فحمد الله وأثنى عليه ، قوله : ضلالا بضم الضاد وتشديد اللام جمع ضال ، والمراد هنا ضلالة الشرك ، وبالهداية الإيمان ، قوله : وعالة جمع العائل ، وهو الفقير ، قوله : كلما قال شيئا أي : كلما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك شيئا ، قالوا أي : الأنصار ، قوله : الله ورسوله أمن بفتح الهمزة والميم وتشديد النون ، وهو أفعل التفضيل من المن ، ويوضحه حديث أبي سعيد فقالوا : ماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل ، قوله : قال : كلما قال شيئا في المرة الثانية تكرار من الراوي للأول ، قوله : قال : لو شئتم أي : قال رسول الله : لو شئتم قلتم : جئتنا بفتح التاء للخطاب ، قوله : كذا وكذا كناية عما يقال جئتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فواسيناك ، وصرح بذلك في حديث أبي سعيد ، وروى أحمد من حديث ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس بلفظ : أفلا تقولون : جئتنا خائفا فآمناك ، وطريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك ، قالوا : بل المن علينا لله ولرسوله انتهى . وإنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعا منه وإنصافا ، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم ، فإنه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم ، لما كان بينهم وبين غيرهم فرق نبه صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله : أترضون إلخ ، ويروى ألا ترضون ففيه تنبيه لهم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به بالنسبة إلى ما اختص به غيرهم من عرض الدنيا الفانية ، قوله : بالشاة والبعير كل منهما اسم جنس ، فالشاة تقع على الذكر والأنثى والبعير على الجمل والناقة ، وفي رواية الزهري : أترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وفي رواية أبي التياح بالدنيا ، قوله : إلى رحالكم أي : إلى بيوتكم ومنازلكم ، وهو جمع رحل بالحاء المهملة ، قوله : لولا الهجرة أي : لولا وجود الهجرة ، قال الخطابي : أراد بهذا الكلام تألف الأنصار وتطييب قلوبهم ، والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها ، ونسبة الإنسان على وجوه الولادية كالقرشية ، والبلادية كالكوفية ، والاعتقادية كالسنية ، والصناعية كالصيرفية ، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به الانتقال عن نسب آبائه ، إذ ذاك ممتنع قطعا ، وكيف وأنه أفضل منهم نسبا ، وأكرمهم أصلا ، وأما الاعتقادي فلا موضع فيه للانتقال إذ كان دينه ودينهم واحدا ، فلم يبق إلا القسمان الأخيران الجائز فيهما الانتقال ، وكانت المدينة دارا للأنصار ، والهجرة إليها أمرا واجبا ، أي : لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها ، لانتقلت عن هذا الاسم إليكم ، ولانتسبت إلى داركم ، قال الخطابي : وفيه وجه آخر ، وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة ، وتكاد تلحقها بالعمومة ، وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار ، فقد يكون صلى الله تعالى عليه وسلم ذهب هذا المذهب إن كان أراد نسبة الولادة ، قوله : ولو سلك الناس واديا أو شعبا بكسر الشين المعجمة ، وهو اسم لما انفرج بين جبلين وقيل : الطريق في الجبل ، وقال الخطابي : لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب ، فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديا وشعبا ، فأراد أنه مع الأنصار ، قال : ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب ، كما يقال : فلان في واد وأنا في واد ، قوله : شعار بكسر الشين المعجمة والعين المهملة الخفيفة ، وهو الثوب الذي يلي الجلد من الجسد ، والدثار بكسر الدال المهملة وبالثاء المثلثة الخفيفة ، وهو الذي فوق الشعار ، وهو كناية عن فرط قربهم منه ، وأراد أنهم بطانته وخاصته ، وأنهم ألصق به ، وأقرب إليه من غيرهم ، قوله : أُثْرة بضم الهمزة ، وسكون الثاء المثلثة ، وبفتحتين ، وهو اسم من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى . قال ابن الأثير : أراد أنه يؤثر عليكم فيفضل غيركم من نصيبه من الفيء ، ويروى : إثرة بكسر أوله مع الإسكان ، أي : الانفراد بالشيء المشترك دون من يشاركه فيه ، قوله : على الحوض أي : يوم القيامة ، وفي رواية الزهري : حتى تلقوا الله ورسوله ، فإني على الحوض ، أي : اصبروا حتى تموتوا ، فإنكم ستجدوني عند الحوض فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم ، والثواب الجزيل على الصبر .