ج١٧ / ص٣١٤ ( باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزر المدلجي ، ويقال : إنها سرية الأنصاري ) شرح أي هذا باب في بيان سرية عبد الله إلى آخره ، وليس في كثير من النسخ لفظ باب ، وقد مر تفسير السرية عن قريب ، وعبد الله بن حذافة بضم الحاء المهملة وتخفيف الذال المعجمة وبالفاء ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي ، أسلم قديما ، وكان من المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، ويقال : إنه شهد بدرا ، ولم يذكره ابن إسحاق في البدريين ، وكانت فيه دعابة ، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثه إلى كسرى ، وقال خليفة بن خياط وفي سنة تسع عشرة أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي ، وقال ابن لهيعة توفي عبد الله بن حذافة السهمي بمصر ، ودفن بمقبرتها ، وعلقمة بن مجزز بضم الميم ، وفتح الجيم ، وكسر الزاي الأولى الثقيلة ، وحكي فتحها ، والأول أشهر ، وقال عياض : وقع لأكثر الرواة بسكون الحاء المهملة ، وكسر الراء ، وقال بعضهم : وأغرب الكرماني فضبطه بالحاء المهملة وتشديد الراء فتحا وكسرا ، وهو خطأ ظاهر انتهى . قلت : هذا تشنيع ظاهر عليه من غير وجه ؛ لأنه لم يضبط إلا بقوله : بضم الميم ، وفتح الجيم ، وفتح الزاي المشددة وكسرها وبزاي أخرى ، ثم قال : وقال بعضهم : هو بالحاء المهملة وبالراء المشددة فتحا وكسرا ثم بالزاي المعجمة ، ونسبة الخطأ إليه خطأ ؛ لأنه حكى ذلك عن بعضهم ، وليس عليه في ذلك مؤاخذة ، وقال الذهبي : علقمة بن مجزز الأعور بن جعدة الكناني المدلجي ، استعمله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على سرية ، وبعثه عمر رضي الله تعالى عنه على جيش إلى الحبشة فهلكوا كلهم وذكر أباه مجززا في الصحابة ، وقال القائف : روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قوله : " المدلجي " بضم الميم ، وسكون الدال المهملة ، وكسر اللام وبالجيم ، قال الرشاطي : المدلجي في كنانة ينسب إلى مدلج بن مرة بن عبد مناة ، منهم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مجزز المدلجي القائف المذكور في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، وهو مجزز بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عتوادة بن عمرو بن مدلج نسبه إلى ابن الكلبي قوله : " ويقال : إنها " أي : إن هذه السرية سرية الأنصاري ، وأراد بها عبد الله بن حذافة السهمي القرشي المهاجري ، وقال ابن الجوزي قوله : " الأنصاري " وهم من بعض الرواة ، وإنما هو سهمي ، وقال بعضهم : يحتمل الحمل على المعنى الأعم ، أي : أنه نصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الجملة ( قلت ) : فيه نظر ؛ لأن هذا الاحتمال يجري في جميع الصحابة ، والأنصار خلاف المهاجرين ، وليس المراد منه المعنى اللغوي . 340 - ( حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الأعمش قال : حدثني سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل عليها رجلا من الأنصار ، وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال : أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى ، قال : فاجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال : أوقدوا نارا فأوقدوها ، فقال : ادخلوها فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا ، ويقولون : فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار ، فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة ، الطاعة في المعروف ) .
شرح مطابقته للترجمة في قوله : " فاستعمل رجلا من الأنصار " فإنه عبد الله بن حذافة ، وقد مر الكلام في قوله : " الأنصاري " عبد الواحد هو ابن زياد ، والأعمش سليمان ، وسعد بن عبيدة بالتصغير أبو حمزة الكوفي ، ختن أبي عبد الرحمن ، واسم أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي ، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأحكام ، عن عمر بن حفص ، وفي خبر الواحد عن بندار ، عن غندر ، وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي موسى وبندار وغيرهما ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن عمرو بن مسروق ، وأخرجه النسائي في البيعة والسير عن ابن المثنى وغيره ، قوله : " فغضب " ج١٧ / ص٣١٥ وفي رواية الأعمش في الأحكام فغضب عليهم ، وفي رواية مسلم فأغضبوه في شيء ، قوله : " فهموا " فسره الكرماني بقوله : وحزنوا ، وليس كذلك ، بل المعنى قصدوا الدخول ، والدليل عليه رواية حفص ، فلما هموا بالدخول فيها فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض ، وفي رواية ابن جرير من طريق أبي معاوية عن الأعمش فقال لهم شاب منهم : لا تعجلوا بدخولها ، وفي حديث أبي سعيد أنهم تحجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها ، فقال : احبسوا أنفسكم ، فإنما كنت أضحك معكم ، قوله : " حتى خمدت النار " بفتح الميم يعني انطفى لهيبها ، وحكى المطرزي كسر الميم ، قوله : " فبلغ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " ، وفي رواية حفص ، فذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي رواية مسلم : فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : " لو دخلوها ما خرجوا منها " ، وفي رواية حفص : ما خرجوا منها أبدا ، يعني أن الدخول فيها معصية ، والعاصي يستحق النار ، والمراد بقوله : إلى يوم القيامة التأبيد ، يعني لو دخلوها مستحلين له لما خرجوا منها أبدا ، قوله : " الطاعة في المعروف " يعني الطاعة للمخلوق في أمر عرف بالشرع ، وفي كتاب خبر الواحد لا طاعة في معصية ، وفي حديث أبي سعيد : من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه ، وفيه أن الأمر المطلق يخص بما كان منه في غير معصية فافهم ، والله تعالى أعلم .