حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما جاء في فاتحة الكتاب

حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن شعبة قال : حدثني خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد ، فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي ! فقال : ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ؟ ثم قال : ألا أعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ؟ ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ؟ قال : ﴿الحمد لله رب العالمين ؛ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وخبيب - بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة - ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف - بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة - أبو الحارث الأنصاري الخزرجي المدني ، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وأبو سعيد - بفتح السين وكسر العين وسكون الياء آخر الحروف - ابن المعلى - بضم الميم وفتح العين واللام المشددة ، على لفظ اسم مفعول من التعلية ، واختلف في اسم أبي سعيد هذا ؛ فقيل اسمه رافع ، وقيل الحارث ، وقيل أوس ، وقال أبو عمر : من قال هو رافع بن المعلى فقد أخطأ ؛ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر ، وأصح ما قيل الله أعلم في اسمه الحارث بن نفيع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة من بني زريق الأنصاري الزرقي ، توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وسبعين ، وقال أبو عمر أيضا : لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين ؛ أحدهما عن شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن - إلى آخر ما ذكر هنا ، والآخر عند الليث بن سعد وهو حديث طويل ، وأوله : كنا نغدوا إلى السوق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - الحديث ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث المذكور في الباب ، وقيل : نسب الغزالي والفخر الرازي وتبعهما البيضاوي هذا الحديث إلى أبي سعيد الخدري وهو وهم ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى ، وقال بعضهم : وروى الواقدي هذا الحديث أيضا في رواية عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب - وليس كذلك ، والذي هنا هو الصحيح ، وشيخ الواقدي هنا مجهول أيضا وهو محمد بن معاذ ، وقال أيضا : الواقدي شديد الضعف إذا انفرد ، فكيف إذا خالف ! قلت : ذكر الحافظ المزي هذا ولم يتعرض إلى شيء من ذلك ، ومن العجب أن الواقدي أحد مشايخ إمامه الشافعي ويحط عليه هذا الحط ! وهو وإن كان ضعفه بعضهم فقد وثقه آخرون ؛ فقال إبراهيم الحربي : الواقدي أمين الناس على أهل الإسلام . وعن مصعب بن الزبير : ثقة مأمون - وكذا وثقه أبو عبيد ، وأثنى عليه ابن المبارك وآخرون .

وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا في فضائل القرآن عن علي بن عبد الله ، وفي التفسير أيضا عن إسحاق بن منصور وعن بندار ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ ، وأخرجه النسائي فيه وفي التفسير عن إسماعيل بن مسعود ، وفي فضائل القرآن عن بندار . وأخرجه ابن ماجه في ثواب التسبيح عن أبي بكر بن أبي شيبة . قوله في المسجد ؛ أي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله فلم أجبه لأنه ظن أن الخطاب لمن هو خارج عن الصلاة . قوله ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ؟ هذا خاص به صلى الله عليه وسلم . قوله ألا أعلمنك ، كلمة ألا للحث والتحضيض على ما يقوله القائل في مثل هذا الموضع ، و أعلمنك بنون التأكيد المشددة .

قوله أعظم سورة في القرآن ، قال ابن بطال : يحتمل أن يكون أعظم بمعنى عظيم . وقال ابن التين : معناه أن ثوابها أعظم من غيرها ، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض ، وقد منع ذلك الأشعري وجماعة ؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل وأسماء الله وصفاته وكلامه لا نقص فيها ، وأجيب عن هذا بأن الأفضلية من حيث الثواب والنفع للمتعبدين لا من حيث المعنى والصفة ، فإن قلت : يؤيد التفضيل قوله تعالى نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا - قلت : الخيرية في المنفعة والرفق لعباده لا من حيث الذات . قوله قال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هذا صريح في الدلالة على أن البسملة ليست من الفاتحة .

قوله هي السبع المثاني ؛ أما السبع فلأنها سبع آيات بلا خلاف ، إلا أن منهم من عد أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ دون التسمية ، ومنهم من مذهبه على العكس - قاله الزمخشري . قلت : الأول قول الحنفية ، والعكس قول الشافعية فإنهم يعدون التسمية من الفاتحة ولا يعدون أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية ، ولكل فريق حجج وبراهين عرفت في موضعها . وأما تسميتها بالمثاني فلأنها تثنى في كل ركعة ، وقيل : المثاني من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة ، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى - وفيه نظر ، والمثاني جمع مثنى الذي هو معدول عن اثنين اثنين ؛ فافهم ! وروى ابن عباس أن السبع المثاني هي السبع الطوال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس - وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وكذا ذكره الحاكم وقال الكهف بدل يونس ، وذكر الداودي عن غيره أنها من البقرة إلى براءة ، قال : وقيل هي السبع التي تلي هذه السبع .

وقيل : السبع الفاتحة ، والمثاني القرآن . وقال الخطابي : يعني بالعظيم عظيم المثوبة على قراءتها ، وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء والدعاء والسؤال ، والواو في والقرآن العظيم ليست واو العطف الموجبة للفصل بين الشيئين ، وإنما هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص ، كقوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وكقوله : فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وقال الكرماني : المشهور بين النحاة أن هذه الواو للجمع بين الوصفين ، فمعنى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم وما يوصف بهما ، انتهى . قلت : قول الخطابي إن هذه الواو ليست للعطف خلاف ما قاله النحاة وغيرهم ، وهذا من عطف العام على الخاص ، وقد مثل هو أيضا بقوله فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وهذا يرد كلامه على ما لا يخفى ، وكون العطف عطف العام على الخاص أو بالعكس لا يخرج الواو عن العطفية .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث