باب قول الله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها
حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن أنس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم - وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا ! فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس ؛ خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ! فيقول : لست هناكم - ويذكر ذنبه فيستحي - ائتوا نوحا ؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ! فيأتونه فيقول : لست هناكم - ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي ، فيقول : ائتوا خليل الرحمن ! فيأتونه فيقول : لست هناكم ، ائتوا موسى ؛ عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة ! فيأتونه فيقول : لست هناكم - ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحي من ربه ، فيقول : ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه ! فيقول : لست هناكم ، ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ! فيأتوني فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن ، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله ، ثم يقال : ارفع رأسك وسل تعطه ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ! فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود إليه ، فإذا رأيت ربي مثله ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود الثالثة ، ثم أعود الرابعة فأقول : ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود . قال أبو عبد الله : إلا من حبسه القرآن - يعني قول الله تعالى : خالدين فيها . مطابقته للترجمة في قوله وعلمك أسماء كل شيء ، وأخرجه من طريقين : الأول عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس ، والثاني عن خليفة بن خياط عن يزيد - من الزيادة - ابن زريع - مصغر زرع - عن سعيد بن أبي عروبة البصري عن قتادة عن أنس .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في كتاب التوحيد في قول الله تعالى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ عن معاذ بن فضالة عن هشام عن قتادة عن أنس - إلخ بطوله ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي موسى وبندار ، وأخرجه النسائي في التفسير عن أبي الأشعث ، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن نصر بن علي . قوله وقال لي خليفة في الطريق الثاني هو على سبيل المذاكرة ، وقيل هو بمنزلة التحديث على رأي من رآه ، وقيل : روى البخاري عن خليفة هذا في عشرة مواضع مقرونا ومنفردا ، والغالب أنه إذا أفرده ذكره بصيغة قال لي . قوله وعلمك أسماء كل شيء ؛ أي كل شيء من سائر الأشياء حتى القصعة والقصيعة - روي ذلك عن ابن عباس ، وقيل : علمه أسماء معدودة ، وفيه أربعة أقوال ؛ الأول : أنه علمه أسماء الملائكة .
الثاني : أنه علمه أسماء الأجناس دون أنواعها ، كقولك إنسان وملك . الثالث : أنه علمه أسماء ما خلق الله في الأرض من الدواب والهوام والطير . الرابع : أنه علمه أسماء ذريته .
فإن قلت : هل التعليم مقصور على الاسم دون المعنى أو عليهما ؟ قلت : فيه قولان . قوله حتى يريحنا بضم الياء وبالراء ، من الإراحة ، وقيل بالزاي ؛ يعني يذهبنا ويبعدنا عن هذا المكان وهو موقف العرصات عند الفزع الأكبر . قوله لست هناكم ؛ يعني لم يخبر أن له ذلك ، وهنا للقريب والكاف للخطاب .
قوله ويذكر ذنبه وهو قربان الشجرة والأكل منها . قوله فإنه أول رسول ؛ أي فإن نوحا - عليه السلام - أول رسول من الرسل الذين أرسلهم الله . فإن قلت : آدم هو أول الرسل ! قلت : معناه أول رسول أرسله الله بعد الطوفان ، وقيل : آدم كان نبيا لا رسولا - وهو غير صحيح ؛ لأنه أول رسول أرسله الله بالإنذار لأولاده والإرشاد لهم .
قوله ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم ، وهو قوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا قوله قتل النفس هو قتله القبطي . قوله وكلمة الله وروحه ، قال الله تعالى : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ قيل له كلمة الله لأنه وجد بكلمة كن ، وروح الله بقوله فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا أو لحصول الروح فيمن أحيى من الموتى ، وقال الزمخشري : هو كلمة الله لأنه قد وجد بأمر الله وكلمته من غير واسطة أب ونطفة ، وروح الله لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي ، وإنما اخترع اختراعا من عند الله تعالى . قوله حتى أستأذن على ربي ، وفي رواية في داره ؛ فمعناه داره التي خلقها لعباده ، كما قيل بيت الله للكعبة والمساجد .
قوله تشفع على صيغة المجهول بتشديد الفاء ؛ أي تقبل شفاعتك . قوله فيحد لي حدا ؛ أي يعين لي قوما . قوله إلا من حبسه القرآن ؛ أي إلا من حكم عليه القرآن بالحبس والخلود في النار ، قال تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا ؛ أي الكفار والمنافقين ، وهو معنى قوله ووجب عليه الخلود ؛ أي في النار .
قوله وقال أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، أشار بهذا إلى أن معنى قوله حبسه القرآن هو قوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا فإن قلت : في هذا الحديث أنهم يخرجون من النار بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء في رواية فأمر الملائكة أن يخرجوا قوما من النار - قلت : لا منافاة فيه ؛ لأنهم قد يؤمرون أن يخرجوهم بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم .