باب
حدثني عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ؟ قال : وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك . ذكر هذا الحديث مناسبا للآية التي قبله ، وعثمان هو أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبو بكر اسمه عبد الله واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ، وهو جدهما وأبوهما محمد بن أبي شيبة ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وعبد الله هو ابن مسعود . والحديث أخرجه البخاري أيضا هنا عن مسدد وأخرجه في التوحيد أيضا عن قتيبة ، وفي الأدب عن محمد بن كثير ، وفي المحاربين عن عمرو بن علي ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن عثمان بن إسحاق ، وأخرجه أبو داود في الطلاق عن محمد بن كثير ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن بندار ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي ، وفيه وفي الرجم عن قتيبة ، وفي المحاربة عن محمد بن بشار .
قوله أن تجعل لله ندا قدمه لأنه أعظم الذنوب قال الله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ثم ثناه بالقتل لأن عند الشافعية أكبر الكبائر بعد الشرك القتل ، ثم ثلثه بالزنا ؛ لأنه سبب لاختلاط الأنساب لا سيما مع حليلة الجار ، لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه ، وعن حريمه ، فإذا قابل هذا بالذب عنه كان من أقبح الأشياء . قوله ثم أي قال ابن الجوزي : أي هاهنا مشدد منون كذا سمعته من أبي محمد بن الخشاب قال : ولا يجوز إلا تنوينه لأنه اسم معرب غير مضاف . قوله وأن تقتل ولدك فيه ذم شديد للبخيل ، لأن بخله أداه إلى قتل ولده مخافة أن يأكل معه .
قوله تخاف في موضع الحال . قوله أن تزاني من باب المفاعلة من الزنا معناه أن تزني برضاها ، ولأجل هذا ذكره من باب المفاعلة . قوله حليلة بالحاء المهملة الزوجة ، سميت بذلك لكونها تحل له ، فهي حليلة بمعنى محلة لكونها تحل معه بضم الحاء ، وقيل : لأن كلا منهما يحل أزرة الآخر ، وهي أيضا عرسه وظعينته وربضه وطلعته وحنته وبيته وقعيدته وشاعته وبعلته وضبينته وجارته وفرشه وزوجته وعشيرته وأهله .
وقوله تعالى : ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾، وقال مجاهد : المن صمغة ، والسلوى الطير ذكر هذه الآية ولم يذكر شيئا من تفسيرها غير ما ذكره من قول مجاهد ، ولما ذكر الله تعالى ما دفع عن قوم موسى من النقم المذكورة قبل هذه الآية ، ذكرهم هنا بما أسبغ عليهم من النعم فقال : وظللنا عليكم الغمام ، وهو جمع غمامة ، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يواريها ويسترها ، وهو السحاب الأبيض ، ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس ، وعن مجاهد ليس من زي مثل هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا ، وذكر سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر . قوله وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وفسر مجاهد المن بقوله : صمغة ، والسلوى بالطير ، رواه عنه عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه وعن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : كان المن ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه ويأكلون منه ما شاؤوا ، وقال عكرمة : شيء يشبه الرب الغليظ ، وعن السدي : إنه الترنجبين ، وقال الربيع بن أنس : المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ، ثم يشربونه ، وقال وهب بن منبه : هو خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي . وروى ابن جرير بإسناده عن الشعبي قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنه العسل .
واختلفت عبارات المفسرين في المن ولكنها متقاربة فمنهم من فسره بالطعام ومنهم من فسره بالشراب ، والظاهر والله أعلم أن كل ما امتن الله به عليهم من طعام أو شراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما ، وإن مزج مع الماء كان شرابا طيبا ، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر ، وأما السلوى فكذلك اختلفوا فيه ، فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : السلوى طائر شبيه السمان يأكلون منه ، وكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن وعكرمة والربيع بن أنس ، وعن وهب : هو طير سمين مثل الحمامة ، يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت ، وعن عكرمة طير أكبر من العصفور . وقال ابن عطية : السلوى طير بإجماع المفسرين ، وقد غلط الهذلي في قوله إنه العسل ، وقال القرطبي دعوى الإجماع لا يصح ، لأن المؤرخ أحد علماء اللغة والتفسير قال : إنه العسل ، وقال الجوهري : السلوى العسل ، قالوا : والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضا كما يقال سماني للواحد والجمع ، وقال الخليل : واحده سلوة ، وقال الكسائي : السلوى واحد ، وجمعه سلاوى . قوله كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ أمر إباحة وإرشاد وامتنان .
قوله وَمَا ظَلَمُونَا الآية يعني أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم ، وقال الزمخشري : فظلموا بأن كفروا هذه النعم .