باب
حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك ، عن عمرو بن حريث ، عن سعيد بن زيد - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين . قال الخطابي : لا وجه لإدخال هذا الحديث هنا ، لأنه ليس المراد من الكمأة في الحديث أنها نوع من المن المنزل على بني إسرائيل ، فإن ذلك شيء كان يسقط عليهم كالترنجبين ، وإنما المراد أنها شجرة تنبت بنفسها من غير استنبات ولا مؤنة ، ورد عليه بأن في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في هذا الباب من المن الذي أنزل على بني إسرائيل ، رواه الدارقطني وبهذا تظهر المناسبة في ذكره هنا ، وكأن الخطابي لم يطلع على رواية ابن عيينة عن عبد الملك ، فلذلك قال ذلك . وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين وسفيان هو الثوري هنا ، وإن كان سفيان بن عيينة يروي أيضا عن عبد الملك بن عمير لأن الغالب إذا أطلق سفيان عن عبد الملك يكون الثوري ، وكذا ذكره أبو مسعود لما ذكر هذا الحديث وعمرو بن حريث القرشي المخزومي ، وله صحبة ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في الطب عن محمد بن المثنى وأخرجه مسلم في الأطعمة عن محمد بن المثنى وعن غيره وأخرجه الترمذي في الطب عن أبي كريب وغيره ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم وغيره ، وفي الوليمة عن يحيى بن حبيب وغيره ، وفي التفسير عن محمد بن المثنى وغيره ، وأخرجه ابن ماجه في الطب عن محمد بن الصباح . قوله الكمأة بفتح الكاف وإسكان الميم وفتح الهمزة ، واحدها كمء ، وعكسه تمرة وتمر ، وهو من النوادر . وقال ابن سيده : جمع الكمء أكمؤة وكمأة هذا قول أهل اللغة ، وقال سيبويه : ليست الكمأة بجمع كمء ، لأن فعلة ليس مما يكسر على فعل ، وإنما هو اسم الجمع ، وقال أبو حنيفة : كمأة واحدة ، وكمأتان وكماء ، وعن أبي زيد : أن الكمأة تكون واحدة وجمعا ، وفي الجامع الجمع القليل أكمؤة على أفعل ، والجمع الكثير كماء ، وقال صاحب التلويح : الصحيح من هذا كله ما حكاه سيبويه ، وذكر عبد اللطيف بن يوسف البغدادي أن الكمأة جدري الأرض ، وتسمى بنات الرعد ؛ لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض ، وقال أبو حنيفة : أول اجتناثها سقوط الجبهة ، وهي تتطاول إلى أن يتحرك الحر وكمأة السهل بيضاء رخوة ، والتي بالآكام سوداء جيدة ، وقيل : الكمأة هي التي إلى الغبرة والسواد ، وفي الجامع تخرج ببعض الأرض .
وقال ابن خالويه في كتابه : ليس في كلام العرب من أسماء الكمء إلا الذي أعرفك الذعلوق والبرنيق والمغرود والفقع والجب وبنات أوبر والعقل والقعيل ، بتقديم القاف على العين ، والجباة ، يقال : كمأت الأرض أخرجت كماءها ، وأجبأت أخرجت جباءها ، وهي الكمأة الحمراء والبدأة يقال : بدئت الأرض بكسر الدال وعن أبي حنيفة الفردة والفراد وعصاقل وقرحان والخماميس ، ولم أسمع لها بواحد قاله الفراء ، وعند القزاز العرجون ضرب من الكمأة قدر شبر ، أو دون ذلك ، وهو طيب ما دام غضا ، والجمع العراجين والفطر قال ابن سيده : هو ضرب من الكمأة . قوله : من المن ظاهره أن الكمأة من نفس المن ، وأبو هريرة أخذ بظاهره على ما رواه الترمذي من حديث قتادة قال : حدثت أن أبا هريرة قال : أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسة أو سبعا فعصرتهن ، وجعلت ماءهن في قارورة ، وكحلت به جارية فبرئت . وقال ابن خالويه : يعصر ماؤها ويخلط به أدوية ، ثم يكتحل به قال ابن العربي : الصحيح أنه ينتفع بصورتها في حال ، وبإضافتها في أخرى ، وفي الجامع لابن بيطار : هي أصل مستدير ، لا ورق ولا ساق لها ، ولونها إلى الحمرة مائل تؤخذ في الربيع وتؤكل نية ومطبوخة والغذاء المتولد منها أغلظ من المتولد من القرع وليست بردى الكيموس ، وهي في المعدة الحارة جيدة ؛ لأنها باردة رطبة في الدرجة الثانية ، وأجودها أشدها تلذذا وملاسا وأميلها إلى البياض والمتخلخلة الرخوة ردية جدا ، وماؤها يجلو البصر كحلا ، وهي من أصلح أدوية العين وإذا رتب بها الإثمد واكتحل به قوى الأجفان ، وزاد في الروح الباصرة قوة وحدة ويدفع عنها نزول الماء ، وذكر ابن الجوزي أن الأطباء يقولون : إن أكل الكمأة يجلو البصر ، وقيل : تؤخذ فتشق وتوضع على الجمرة حتى يغلي ماؤها ، ثم يؤخذ ميل فيصير في ذلك الشق ، وهو فاتر فيكتحل به ولا يجعل الميل في مائها ، وهي باردة يابسة ، وقيل أراد الماء الذي تنبت به ، وهو أول مطر ينزل إلى الأرض فتربى به الأكحال ، وقيل : إن كان في العين حرارة فماؤها وحده شفاء ، وإن كان لغير ذلك فيركب مع غيره .
وقال ابن التين : قيل : أراد أنها تنفع من تأخذه العين التي هي النظرة وذلك أن في بعض ألفاظ الحديث : وماؤها شفاء من العين قال : وقيل يريد من داء العين فحذف المضاف ، وقال الخطابي في قوله : الكمأة من المن ، ما ملخصه أنه لم يرد به أنها من المن الذي أنزل على موسى بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام ، فإن المروي أنه شيء كان يسقط عليهم كالترنجبين ، وقد ذكرنا هذا في أول الحديث والجواب عنه أيضا ، وقال النووي : قال كثيرون شبهها بالمن الذي أنزل عليهم حقيقة عملا بظاهر اللفظ ، وقيل : معنى قوله الكمأة من المن يعني مما من الله على عباده بها بإنعامه ذلك عليهم .