باب أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم
حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام ، عن ابن جريج قال : سمعت ابن أبي مليكة يقول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا خفيفة ذهب بها هناك ، وتلا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك ، فقال : قالت عائشة : معاذ الله ، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت ، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم ، فكانت تقرؤها وظنوا أنهم قد كذبوا مثقلة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وإبراهيم بن موسى بن يزيد الرازي الفراء يعرف بالصغير ، وهشام هو ابن حسان ، يروي عن عبد الملك بن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة ، والحديث أخرجه النسائي أيضا في التفسير عن قتيبة . قوله : قال ابن عباس : حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ؛ أي من النصر ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون .
قوله خفيفة ؛ أي خفيفة الذال في قوله قَدْ كُذِبُوا . قوله ذهب بها ؛ أي ذهب ابن عباس بهذه الآية ، أي قوله حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ الآية التي في سورة يوسف لا الآية التي في البقرة ، يعني : فهم من هذه الآية ما فهم من تلك الآية ، لكون الاستفهام في متى نصر الله للاستبعاد والاستبطاء ، فهما متناسبتان في مجيء النصر بعد اليأس والاستبعاد . قوله فلقيت عروة بن الزبير القائل بهذا هو ابن أبي مليكة الراوي .
قوله فقال ؛ أي عروة بن الزبير ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها . قوله قبل أن يموت ظرف للعلم لا للكون ، قيل : لم أنكرت عائشة على ابن عباس بقولها معاذ الله إلى آخره مع أن قراءة التخفيف تحتمل معنى ما قالت عائشة ، بأن يقال خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم ، وأجيب بأن الإنكار من جهة أن مراده أن الرسل ظنوا أنهم مكذبون من عند الله لا من عند أنفسهم بقرينة الاستشهاد بالآية التي في البقرة ، فقيل : لو كان كما قالت عائشة لقيل : وتيقنوا أنهم قد كذبوا ، لأن تكذيب القوم لهم كان متيقنا ، وأجيب بأن تكذيب أتباعهم من المؤمنين كان مظنونا ، والمتيقن هو تكذيب الذين لم يؤمنوا أصلا ، فإن قيل فما وجه كلام ابن عباس ؟ قيل : وجهه ما ذكره الخطابي بأن يقال : لا شك أن مذهبه أنه لم يجز على الرسل أن يكذبوا بالوحي الذي يأتيهم من قبل الله ، لكن يحتمل أن يقال إنهم عند تطاول البلاء وإبطاء نجز الوعد توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان غلطا منهم ، فالكذب متأول بالغلط ، كقولهم كذبتك نفسك ، وقال الزمخشري : وعن ابن عباس وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر ، وقال : وكانوا بشرا وتلا قوله : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ فإن صح هذا فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية ، وأما الظن الذي يترجح أحد الجانبين على الآخر فيه فغير جائز على آحاد الأمة ، فكيف بالرسل . قوله : تقرؤها ، أي فكانت عائشة - رضي الله عنها - تقرأ قوله وكذبوا مثقلة أي بالتشديد ، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ، وقراءة عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف .