باب قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين
حدثني إبراهيم بن المنذر ، حدثنا أبو ضمرة ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة قد زنيا ، فقال لهم : كيف تفعلون بمن زنا منكم ؟ قالوا : نحممهما ونضربهما ، فقال : لا تجدون في التوراة الرجم ؟ فقالوا : لا نجد فيها شيئا . فقال لهم عبد الله بن سلام : كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ، فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم ، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ، ولا يقرأ آية الرجم ، فنزع يده عن آية الرجم فقال : ما هذه ؟ فلما رأوا ذلك قالوا : هي آية الرجم ، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد ، فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة . مطابقته للترجمة في قوله : كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ، وإبراهيم بن المنذر أبو إسحاق الحزامي المديني ، وأبو ضمرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم ، واسمه أنس بن عياض الليثي ، والحديث قد مضى مختصرا في الجنائز في باب الصلاة على الجنازة في المصلى والمسجد .
قوله : إن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل وامرأة زنيا قال ابن بطال : قيل إنهما لم يكونا أهل ذمة ، وإنما كانا أهل حرب ، ذكره الطبري ، وفي رواية عيسى عن ابن القاسم : كانا من أهل فدك وخيبر حربا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذاك ، وعن أبي هريرة : كان هذا حين قدم سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وقال مالك : إنما كانا أهل حرب ، ولو كانا أهل ذمة لم يسألهم كيف الحكم فيهم ، وقال النووي : وعند مالك لا يصح إحصان الكافر ، وإنما رجمهما لأنهما لم يكونا أهل ذمة ، قيل : هذا غير جيد لأنهما كانا من أهل العهد ، ولأنه رجم المرأة ، والنساء الحربيات لا يجوز قتلهن مطلقا ، وقال السهيلي : اسم المرأة المرجومة بسرة . قوله : كيف تفعلون لم يرد به - صلى الله عليه وسلم - تقليدهم ولا معرفة الحكم به منهم ، وإنما أراد إلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ، ولعله - صلى الله عليه وسلم - قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا غيره ، أو أنه أخبره من أسلم منهم . قوله : نحممهما من التحميم يعني نسود وجوههما بالحمم بضم الحاء المهملة وفتح الميم ، وهو الفحم ، وفي رواية نحملهما بالحاء المهملة واللام يعني نحملهما على شيء ليظهرا ، وفي رواية نجملهما بالجيم واللام أي نجعلهما جميعا على شيء ليظهرا .
قوله : فوضع مدراسها بكسر الميم يريد به صاحب دراسة كتبهم ، والمفعال من أبنية المبالغة وهو عبد الله بن صوريا بضم الصاد المهملة وسكون الواو وكسر الراء وفتحها ، وفي رواية أبي داود : ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوه بابني صوريا . قال المنذري : لعله عبد الله بن صوريا ، وكنانة بن صوريا ، وكان عبد الله أعلم من بقي من الأحبار بالتوراة ثم كفر بعد ذلك ، وزعم السهيلي أنه أسلم ، قوله : فطفق أي فجعل يقرأ ما دون يده أي ما قبلها ، قوله : فنزع يده أي نزع عبد الله بن سلام يد المدراس عن آية الرجم . قوله : فرجما على صيغة المجهول ، وفي سنن أبي داود أنه - صلى الله عليه وسلم - رجمهما بالبينة ، وقال الخطابي : إنما رجمهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أوحي إليه من أمره ، وإنما احتج عليهم بالتوراة استظهارا للحجة وإحياء لحكم الله تعالى الذي كانوا يكتمونه ، قوله : من حيث موضع الجنائز عند المسجد وفي رواية عند البلاط ، وهما متقاربان ، قوله : يجنأ بالجيم ، قال ابن الأثير : يعني أكب عليها ، وقيل هو مهموز ، وقيل الأصل فيه الهمز من جنأ يجنأ إذا مال عليه وعطف ، ثم خفف وهو لغة ، وقال المنذري : ياؤه مفتوحة ، وجيمه ساكنة ، يقال : جنى الرجل على الشيء إذا أكب عليه ، ورواه بعضهم بضم الياء ، وروي يجاني من جانى يجاني ، وقيل روي بجيم ثم باء موحدة ثم همزة أي يركع ، وقال الخطابي : المحفوظ بالحاء والنون ، يقال : حنا يحنو حنوا ، وروي بالحاء وتشديد النون ، وقال يحيى بن يحيى يحني بحاء ونون مكسورة بغير همزة ، وقال البيهقي عند أهل الحديث يحنى بالحاء ، وعند أهل اللغة بالجيم .
قوله : يقيها أي يحفظها من وقى يقي وقاية ، وفي الحديث الحكم بين أهل الذمة ، وفي التوضيح الأصح عندنا وجوبه وفاقا لأبي حنيفة ، وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز والثوري والحكم ، وروي عن ابن عباس ، وقال القرطبي : إن كان ما رفعوه إلى الإمام ظلما كالقتل والغصب بينهم فلا خلاف في منعهم منه ، ونقل عن مالك والشافعي أنه بالخيار بين الحكم بينهم وتركه ، غير أن مالكا يرى الإعراض أولى ، ونقل عن الشافعي أنه لا يحكم بينهم في الحدود ، وفيه أن أنكحة الكفار صحيحة ؛ ولذلك رجمهما ، وهو الأصح عند الشافعية ، وفيه دليل على أنه لا يحفر لمن رجم ، إذ لو حفر له لما استطاع أن يجنأ عليها ، لكن في صحيح مسلم من حديث بريدة أنه حفر لماعز والغامدية إلى صدرها ، وقيل : يحفر لمن قامت عليه البينة دون المقر .