باب ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام
حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء . مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة خصوصا على هذا النسق . وهذا أخرجه مسلم في صفة أهل النار ، عن عمرو الناقد وغيره .
وأخرجه النسائي في التفسير ، عن محمد بن عبد الله المرفوع منه دون الموقوف . قوله: البحيرة على وزن فعيلة مفعولة، واشتقاقها من بحر إذا شق، وقيل: هذا من الاتساع في الشيء . قوله: درها بفتح الدال المهملة وتشديد الراء وهو اللبن .
قوله: للطواغيت أي: لأجل الطواغيت وهي الأصنام . وقال ابن الأثير: كانوا إذا ولدت إبلهم سبعا بحروا أذنها أي: شقوها وقالوا: اللهم إن عاش فقني وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة، وقيل: البحيرة هي بنت السائبة . وقال أبو عبيدة: جعلها قوم من الشاه خاصة إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها أي: شقوها وتركت ولا يمسها أحد، وقال آخرون: بل البحيرة الناقة .
كذلك يخلوا عنها فلم تركب ولم يضربها فحل . وقال علي بن أبي طلحة: البحيرة هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرا ذبحوه وأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جذعوا أذنها فقالوا: هذه بحيرة وعن السدي مثله . قوله: فلا يحلبها أحد من الناس أطلق نفي الحلب .
وكلام أبي عبيدة يدل على أن المنفي هو الشرب الخاص . قال أبو عبيدة: كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء، ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها . قوله: والسائبة على وزن فاعلة بمعنى مسيبة وهي المخلاة تذهب حيث شاءت، وكانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء .
وقال أبو عبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام، وتكون من النذور للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى، ولا عن ماء ولا يركبها أحد . قال: وقيل: السائبة لا تكون إلا من الإبل كان الرجل ينذر إن برئ من مرضه أو قدم من سفره ليسيبن بعيرا . وقال محمد بن إسحاق: السائبة هي الناقة إذا ولدت عشرة إناث من الولد ليس بينهن ذكر سيبت فلم تركب، ولم يجز وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف .
قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب . أي: قال سعيد بن المسيب: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى آخره . هذا حديث مرفوع أورده في أثناء الموقوف .
قوله: عمرو بن عامر قال الكرماني: تقدم في باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة، ورأيت فيها عمرو بن لحي بضم اللام وفتح المهملة، وهو الذي سيب السوائب، ثم قال: لعل عامر اسم ولحي لقب أو بالعكس أو أحدهما اسم الجد . قلت ذكر في ( التوضيح ) إنما هو عمرو بن لحي، ولحي اسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، وقيل: لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر نبه عليه الدمياطي . وفي تفسير ابن كثير، وعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل عليه السلام، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها .
قوله: قصبه بضم القاف واحدة الأقصاب وهي الأمعاء . والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأثنى، وكانوا يسيبونهم لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر . هذا أيضا من تفسير سعيد بن المسيب الموقوف وليس بمتصل بالمرفوع .
قوله: الوصيلة من الوصل بالغير في اللغة والتي في الآية هي التي فسرها ابن المسيب بقوله: الناقة البكر تبكر أي: تبتدئ، وكل من بكر إلى الشيء فقد بادر إليه . قوله: بأنثى يتعلق بقوله: تبكر . قوله: ثم تثني من التثنية أي: تأتي في المرة الثانية بعد الأنثى الأولى بأنثى أخرى، والضمير في يسيبونها يرجع إلى الوصيلة .
قوله: إن وصلت أي: من أجل إن وصلت إحداهما أي: إحدى الأنثيين بالأنثى الأخرى، والحال أن ليس بينهما ذكر . وقال الكرماني: إن وصلت بفتح الهمزة وكسرها، قلت: الأظهر أن يكون بالفتح على ما لا يخفى، وقال ابن الأثير: الوصيلة الشاة إذا ولدت ستة أبطن أنثيين أنثيين، وولدت في السابعة ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها فأحلوا لبنها للرجال وحرموه على النساء، وقيل: إن كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها ولم تذبح، وكان لبنها حراما على النساء . وقال ابن إسحاق: الوصيلة الشاة تنتج عشر أناث متتابعات في خمسة أبطن فيدعونها الوصيلة، وما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإناث، وتفسير ابن المسيب رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري عنه، وكذا روي عن مالك رضي الله تعالى عنه .
والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي . هذا أيضا من تفسير ابن المسيب . قوله: يضرب أي: ينزو يقال: ضرب الجمل الناقة يضربها إذا نزا عليها، وأضرب فلان ناقته إذا أنزى الفحل عليها، وضراب الفحل نزوه على الناقة، والضراب المعدود هو أن ينتج من صلبه بطن بعد بطن إلى أن يصير عشرة أبطن، فحينئذ يقولون: قد حمى ظهره .
قوله: ودعوه أي: تركوه لأجل الطواغيت وهي الأصنام . قوله: وسموه الحامي لأنه حمى ظهره، فلذلك يقال له حام، مع أنه في الأصل محمي، وهذا التفسير منقول عن ابن مسعود وابن عباس، وقيل: الحام هو الفحل يولد لولده فيقولون: حمى ظهره فلا يجزون وبره ولا يمنعونه ماء ولا مرعى، وقيل: هو الذي ينتج له سبع إناث متواليات قاله ابن دريد، وقيل: هو الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين فيخلى، ويقال فيه: قد حمى ظهره . وقال لي أبو اليمان: أخبرنا شعيب ، عن الزهري سمعت سعيدا قال يخبره بهذا قال: وقال أبو هريرة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نحوه .
قوله: وقال لي أبو اليمان رواية أبي ذر، وفي رواية غيره قال أبو اليمان بغير لفظة لي، وأبو اليمان بفتح الياء آخر الحروف الحكم بن نافع، يروي عن شعيب بن أبي حمزة الحمصي ، عن محمد بن مسلم الزهري، وقد تكرر هذا الإسناد على هذا النمط . قوله: يخبره بضم الياء آخر الحروف وسكون الخاء المعجمة وكسر الباء الموحدة من الفعل المضارع من الإخبار، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى سعيد بن المسيب والمنصوب يرجع إلى الزهري، وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي بحيرة بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء، وكأنه أشار به إلى تفسير البحيرة وغيرها كما في رواية إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري . قوله: قال: وقال أبو هريرة أي: قال سعيد بن المسيب: قال أبو هريرة: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله: نحوه أي: نحو ما رواه في الرواية الماضية، وهو قوله: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، وقد تقدم في مناقب قريش قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب ، عن الزهري سمعت ابن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها إلى آخره، ثم قال: وقال أبو هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي إلى آخره . ورواه ابن الهاد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أي روى الحديث المذكور يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سعيد بن المسيب، وقال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت ، عن الزهري، كذا حكاه الحافظ المزي في ( الأطراف ) وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قال الحاكم نظر؛ لأن الإمام أحمد وابن جرير روياه من حديث الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن الزهري نفسه، والله أعلم.