سورة الأنعام
سورة الأنعام أي هذا في تفسير سورة الأنعام ، ذكر ابن المنذر بإسناده ، عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة شرفها الله ليلا جملة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح، وذكر نحوه عن أبي جحيفة، وعن مجاهد نزل معها خمسمائة ملك يزفونها ويحفونها، وفي تفسير أبي محمد بن إسحاق بن إبراهيم البستي خمسمائة ألف ملك . وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والكلبي: نزلت الأنعام بمكة إلا ثلاث آيات فإنها نزلت بالمدينة، وهي من قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا إلى قوله: تَتَّقُونَ وفي أخرى عن الكلبي هي مكية إلا قوله: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ الآيتين . وقال قتادة: هما قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والآية الأخرى وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وذكر ابن العربي أن قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ نزلت بمكة يوم عرفة .
وقال السخاوي: نزلت بعد الحجر وقبل الصافات . وفي ( كتاب الفضائل ) لأبي القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: سورة الأنعام تدعى في ملكوت الله، وفي رواية تدعى في التوراة المرضية ، سمعت سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: من قرأها فقد انتهى . وفي الكتاب ( الفائق في اللفظ الرائق ) لأبي القاسم عبد المحسن القيسي قال صلى الله تعالى عليه وسلم: من قرأ سورة الأنعام جملة ولم يقطعها بكلام غفر له ما أسلف من عمل؛ لأنها نزلت جملة ومعها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج، وهي مائة وخمس وستون آية وثلاث آلاف واثنتان وخمسون كلمة، واثنا عشر ألف حرف وأربعمائة واثنان وعشرون حرفا .
﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ثبتت البسملة في رواية أبي ذر ليس إلا . قال ابن عباس: ثم لم تكن فتنتهم معذرتهم أشار به إلى بيان تفسير قوله عز وجل فتنتهم في قوله : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ٢٢ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾وفسرها ابن عباس بقوله: معذرتهم . ووصل هذا التعليق ابن أبي حاتم ، عن أبيه حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال معمر عن قتادة: فتنتهم مقالتهم، وعن الضحاك ، عن ابن عباس أي: حجتهم .
معروشات: ما يعرش من الكرم وغير ذلك . لم يقع هذا في رواية أبي ذر، وأشار به إلى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وفسر معروشات بقوله: ما يعرش من الكرم وغير ذلك . ووصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ قال: ما يعرش من الكروم وغير معروشات ما لا يعرش، وفي التفسير: وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المعروشات ما عرش الناس، وغير معروشات ما خرج في البر والجبال من الثمرات .
وعن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس: معروشات مسموكات، وقيل: معروشات ما يقوم على العرائش . وفي ( المغرب ) العرش السقف في قوله: وكان عرش المسجد من جريد النخل أي: من أفنانه وأغصانه، وعريش الكرم ما يهيأ ليرتفع عليه والجمع عرائش . حمولة ما يحمل عليها أشار بهذا إلى قوله تعالى: وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا وفسر الحمولة بقوله: ما يحمل عليها .
وعن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله في قوله: حَمُولَةً ما حمل من الإبل وَفَرْشًا قال: الصغار من الإبل . رواه الحاكم وقال: صحيح ولم يخرجاه . وقال ابن عباس: الحمولة هي الكبار، والفرش الصغار من الإبل وكذا قال مجاهد، وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس: الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، والفرش الغنم واختاره ابن جرير قال: وأحسبه إنما سمي فرشا لدنوه من الأرض .
وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة: الحمولة الإبل والبقر، والفرش الغنم . وقال السدي: أما الحمولة فالإبل، وأما الفرش فالفصلان والعجاجيل والغنم وما حمل عليه فهو حمولة . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون الشاة لا تحمل ويؤكل لحمها وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا .
وللبسنا لشبهنا أشار به إلى قوله تعالى: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وفسر للبسنا بقوله: لشبهنا . ووصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ بقوله: لشبهنا عليهم . وأصله من اللبس بفتح اللام وهو الخلط تقول: لبس يلبس من باب ضرب يضرب لبسا بالفتح، ولبس الثوب يلبس من باب علم يعلم لبسا بالضم .
وينأون يتباعدون أشار به إلى قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ وفسر ينأون بقوله: يتباعدون . وكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس . والمعنى أن كفار مكة ينهون الناس عن اتباع الحق ويتباعدون عنه، وقال علي بن أبي طلحة: ينهون الناس عن محمد ويتباعدون أن يؤمنوا .
تبسل تفضح أبسلوا أفضحوا أشار به إلى قوله تعالى: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ وفسر لفظ تبسل بقوله: تفضح . وكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس، وقال الضحاك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي: أن تبسل أن تفضح . وقال قتادة: تحبس، وقال ابن زيد: تؤاخذ .
وقال الكلبي: تجزى . وفي التفسير قوله تعالى: وَذَكِّرْ بِهِ أي: ذكر الناس بالقرآن، وحذرهم نعمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة أن تبسل نفس بما كسبت أي: لئلا تبسل . قوله: أبسلوا إشارة إلى قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا أي: أفضحوا بسبب كسبهم، ويروى فضحوا من الثلاثي على صيغة المجهول .
باسطو أيديهم: البسط الضرب . أشار به إلى قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ وقبله وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ وجواب لو محذوف تقديره لرأيت عجيبا . قوله: بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أي: بالضرب، وقيل: بالعذاب، وقيل: بقبض الأرواح من الأجساد ويكون هذا وقت الموت، وقيل: يوم القيامة، وقيل: في النار .
وقال الزمخشري: باسطو أيديهم يبسطون إليهم أيديهم يقولون: أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم . وهذا عبارة عن العنف والإلحاح في الإزهاق . قوله: البسط الضرب تفسير البسط بالضرب غير موجه؛ لأن المعنى البسط بالضرب يعني الملائكة يبسطون أيديهم بالضرب كما ذكرنا .
استكثرتم أضللتم كثيرا أشار به إلى قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وفسره بقوله: أضللتم كثيرا . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس: قد استكثرتم من الإنس بمعنى أضللتم منهم كثيرا، وكذلك قال مجاهد والحسن وقتادة، وعجبي من شراح هذا الكتاب كيف أهملوا تحقيق هذا الموضع وأمثاله، فمنهم من قال هنا قوله: استكثرتم أضللتم كثيرا ووصله ابن أبي حاتم كذلك، ومنهم من قال: هو كما قال، ومنهم من لم يذكره أصلا، فإذا وصل قارئ البخاري إلى هذا الموضع ووقف على قوله: استكثرتم أضللتم ولم يكن القرآن في حفظه حتى يقف عليه ولم يعلم أوله ولا آخره تحير في ذلك، فإذا رجع إلى شرح من شروح هؤلاء يزداد تحيرا، وشرح البخاري لا يظهر بقوة الحفظ في الحديث أو بعلو السند أو بكثرة النقل ولا يخرج من حقه إلا من له يد في الفنون، ولا سيما في اللغة العربية والمعاني والبيان والأصول مع تتبع معاني ألفاظه كلمة كلمة، وبيان المراد منه، والتأمل فيه والغوص في تيار تحقيقاته، والبروز منه بمكنونات تدقيقاته . ذرأ من الحرث جعلوا لله من ثمراتهم ومالهم نصيبا، وللشيطان والأوثان نصيبا .
أشار به إلى قوله عز وجل: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا وفسر قوله: ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ بقوله: جعلوا لله إلى آخره . وهكذا رواه ابن المنذر بسنده عن ابن عباس، وكذلك رواه ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس وزاد، فإن سقط من ثمره ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله لفظوه . أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ يعني هل تشتمل إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضا وتحلون بعضا .
هذا وقع لغير أبي ذر ولم أنظر نسخة إلا وهذه التفاسير فيها، بعضها متقدم وبعضها متأخر وبعضها غير موجود، وفي النسخة التي اعتمادي عليها وقع هنا، وأشار به إلى قوله عز وجل: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ ثم فسره بقوله: يعني هل تشتمل يعني الأرحام إلا على ذكر أو أنثى، وكان المشركون يحرمون أجناسا من النعم بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال فاحتج الله عليهم بقوله: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ الآية . فالذي حرمتم بأمر معلوم من جهة الله يدل عليه أم فعلتم ذلك كذبا على الله تعالى، وقال الفراء: جاءكم التحريم فيما حرمتم من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام من قبل الذكرين أم الأنثيين، فإن قالوا: من قبل الذكر لزم تحريم كل ذكر أم من قبل الأنثى فكذلك، وإن قالوا: من قبل ما اشتمل عليه الرحم لزم تحريم الجميع؛ لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى . أكنة واحدها كنان هذا ثبت لأبي ذر ، عن المستملي، وهو متقدم في بعض النسخ، وأشار به إلى قوله تعالى: أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وقبله وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا الآية .
ثم قال: واحدها أي: واحد أكنة كنان على وزن فعال، مثل أعنة جمع عنان، وأسنة جمع سنان، وفي التفسير أكنة أي: أغطية لئلا يفهموا القرآن وجعلنا في آذانهم وقرا أي: صمما من السماع النافع لهم . مسفوحا مهراقا أشار به إلى قوله تعالى: لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا وفسر مسفوحا بقوله: مهراقا أي: مصبوبا . وقال العوفي عن ابن عباس: أو دما مسفوحا يعني مهراقا .
صدف أعرض أشار به إلى قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا الآية . وفسر صدف بقوله: أعرض . وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة: صدف عنها أعرض عنها أي: عن آيات الله تعالى .
وقال السدي: أي صدف عن اتباع آيات الله أي: صرف الناس وصدهم عن ذلك . وقال بعضهم: قوله: صدف أعرض قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ أي: يعرضون . قلت: البخاري لم يذكر إلا لفظ صدف، وإن كان معنى يصدفون كذلك فلا بد من رعاية المناسبة .
أبلسوا أويسوا وأبسلوا أسلموا أشار بقوله: أبلسوا وبتفسيره بقوله: أويسوا إلى أن معنى قوله تعالى: فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ من ذلك قال أبو عبيدة فيه: المبلس الحزين النادم، وقال الفراء: المبلس البائس المنقطع رجاؤه . قوله: أويسوا على صيغة المجهول كذا وقع في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره أيسوا على صيغة المعلوم من أيس إذا انقطع رجاؤه . قوله: أبسلوا بتقديم السين على اللام وفسره بقوله: أسلموا أي: إلى الهلاك وأشار به إلى قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا وقد مر هذا عن قريب بغير هذا التفسير .
سرمدا دائما لا مناسبة لذكر هذا هاهنا؛ لأنه لم يقع هذا إلا في سورة القصص في قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ سرمدا أي: دائما . وقال الكرماني: ذكره هنا لمناسبة فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا قلت: لم يذكر وجه أكثر هذه الألفاظ المذكورة، ولا تعرض إلى تفسيرها، وإنما ذكر هذا مع بيان مناسبة بعيدة على ما لا يخفى . استهوته أضلته أشار به إلى قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ وفسره بقوله: أضلته وكذا فسره قتادة .
تمترون تشكون أشار به إلى قوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ وفسره بقوله: تشكون وكذا فسره السدي . وقر صمم أشار به إلى قوله تعالى: وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وفسره بقوله: صمم هذا بفتح الواو عند الجمهور، وقرأ طلحة بن مصرف بكسر الواو . وأما الوقر الحمل أي: وأما الوقر بكسر الواو فمعناه الحمل، ذكره متصلا بما قبله؛ لبيان الفرق بين مفتوح الواو وبين مكسورها .
فإنه أساطير واحدها أسطورة، وإسطارة وهي الترهات أشار به إلى قوله تعالى: إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وذكر أن الأساطير واحدها أسطورة بضم الهمزة، وإسطارة أيضا بكسر الهمزة ثم فسرها بقوله: وهي الترهات بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الراء وهي الأباطيل؛ قال أبو زيد: هي جمع ترهة، وقال ابن الأثير: وهي في الأصل الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الأعظم، وهي كناية عن الأباطيل، وقال الأصمعي: الترهات الطرق الصغار، وهي فارسية معربة، ثم استعيرت في الأباطيل فقيل: الترهات السباسب والترهات الصحاصح، وهي من أسماء الباطل، وربما جاءت مضافة، وقال الجوهري: وناس يقولون: ترة والجمع ترارية . البأساء من البأس ويكون من البؤس أشار به إلى قوله تعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وأشار إلى أنه يجوز أن يكون من البأس وهو الشدة، ويجوز أن يكون من البؤس بالضم وهو الضر، وقيل: هو الفقر وسوء الحال، وقال الداودي: البأس القتال . جهرة معاينة أشار به إلى قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً وهم لا يشعرون البغتة الفجأة، والجهرة المعاينة، وكذا فسره أبو عبيدة .
الصور جماعة صورة كقوله: سورة وسور أشار به إلى قوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وذكر أن الصور جمع صورة، كما أن السور جمع سورة، واختلف المفسرون في قوله: يوم ينفخ في الصور فقال بعضهم: المراد بالصور هنا جمع صورة أي: يوم ينفخ فيها ضحى قال ابن جرير: كما يقال سور لسور البلد وهو جمع سورة، والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التميمي ، عن أسلم العجلي ، عن بشر بن سعاف ، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه انتهى . وهو واحد لا اسم جمع . ملكوت ملك مثل رهبوت خير من رحموت وتقول: ترهب خير من أن ترحم أشار به إلى قوله تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وفسر ملكوت بقوله: ملك .
وقال الجوهري: الملكوت من الملك كالرهبوت من الرهبة، ويقال: الواو والتاء فيها زائدتان . وقال المفسرون: ملكوت كل شيء معناه ملك كل شيء أي: هو مالك كل شيء، والمتصرف فيه على حسب مشيئته ومقتضى إرادته، وقيل: الملكوت الملك ما بلغ الألفاظ، وقيل: الملكوت عالم الغيب كما أن الملك عالم الشهادة . قوله: مثل رهبوت خير من رحموت أشار به إلى أن وزن ملكوت مثل وزن رهبوت ورحموت، وهذا مثل يقال: رهبوت خير من رحموت أي: رهبة خير من رحمة .
وفي رواية أبي ذر هكذا ملكوت وملك رهبوت رحموت وتقول: ترهب خير من أن ترحم وفيه تعسف، وفي رواية الأكثرين الذي ذكر أولا هو الصواب . جن أظلم أشار به إلى قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وفسره بقوله: أظلم وعن أبي عبيدة أي: غطى عليه وأظلم وهذا في قصة إبراهيم عليه السلام . تعالى علا أشار به إلى قوله تعالى: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ وفسر تعالى بقوله: علا ووقع في مستخرج أبي نعيم تعالى الله علا الله وكذا في رواية النسفي، وفي التفسير سبحان الله أي: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه الجهلة الضالون من الأنداد والنظراء والشركاء .
وإن تعدل تقسط: لا يقبل منها في ذلك اليوم هذا وقع في رواية أبي ذر وحده، وأشار به إلى قوله تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا وفسر تعدل بقوله: تقسط بضم التاء من الإقساط وهو العدل، والضمير في وإن تعدل يرجع إلى النفس الكافرة المذكورة فيما قبله، وفسر أبو عبيدة العدل بالتوبة . قوله: لا يقبل منها في ذلك اليوم يعني يوم القيامة؛ لأن التوبة إنما كانت تنفع في حال الحياة قبل الموت كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ الآية . يقال: على الله حسبانه أي: حسابه، ويقال: حسبانا مرامي .
ورجوما للشياطين أشار به إلى قوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا وقال: هو جمع حساب، وفي التفسير وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا أي: يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب . قوله: على الله حسبانه أشار به إلى أن حسبانا كما يجيء جمع حساب يجيء أيضا بمعنى حساب، مثل شهبان وشهاب، وكذا فسره بقوله: أي حسابه . قوله: ويقال حسبانا مرامي ورجوما للشياطين مضى الكلام فيه في كتاب بدء الخلق في باب صفة الشمس والقمر .
مستقر في الصلب، ومستودع في الرحم أشار به إلى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ وقد فسر قوله: مستقر بقوله: مستقر في الصلب . وقوله: مستودع بقوله: مستودع في الرحم وكذا روي عن ابن مسعود وطائفة، وعن ابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي وقيس بن أبي حازم، ومجاهد وعطاء والنخعي والضحاك وقتادة، والسدي وعطاء الخراساني: مستقر في الأرحام مستودع في الأصلاب . وعن ابن مسعود أيضا: فمستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت .
وعن الحسن: والمستقر الذي قد مات فاستقر به عمله . وعن ابن مسعود أيضا: مستودع في الدار الآخرة . وعن الطبراني في حديثه: المستقر الرحم والمستودع الأرض .
وقرأ أبو عمرو وابن كثير فمستقر بكسر القاف والباقون بفتحها، وقرأ الجميع مستودع بفتح الدال إلا رواية عن أبي عمرو فبكسرها . القنو العذق والاثنان قنوان والجماعة أيضا قنوان مثل صنو وصنوان أشار به إلى قوله تعالى: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قوله: العذق بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة وفي آخره قاف، وهو العرجون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على عذاق، والعذق بالفتح النخلة . قوله: والاثنان قنوان يعني تثنية القنو قنوان، وكذلك جمع القنو قنوان، فيستوي فيه التثنية والجمع في اللفظ، ويقع الفرق بينهما بأن نون التثنية مكسورة، ونون الجمع تجري عليه أنواع الإعراب، تقول في التثنية: هذان قنوان بالكسر، وأخذت قنوين في النصب، وضربت بقنوين في الجر، فألف التثنية تنقلب ياء فيهما، وتقول في الجمع: هذه قنوان بالرفع لأنه لا يتغير في حالة الرفع، وأخذت قنوانا بالنصب، وضربت بقنوان بالجر، ولا يتغير فيه الألف أصلا والإعراب يجري على النون، وكذا يقع الفرق في حالة الإضافة، فإن نون التثنية تحذف في الإضافة دون نون الجمع .
قوله: مثل صنوان يعني أن تثنية صنو وجمعه كذلك على لفظ واحد، والفرق بما ذكرنا وهو بكسر الصاد المهملة وسكون النون وهو المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، وقرأ الجمهور قنوان بكسر أوله، وقرأ الأعمش والأعرج بضمها وهي رواية عن أبي عمرو، وهي لغة قيس.