حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قوله واصطنعتك لنفسي

حدثنا الصلت بن محمد ، حدثنا مهدي بن ميمون ، حدثنا محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ، قال له آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه ، وأنزل عليك التوراة ، قال : نعم ، قال : فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني ، قال : نعم ، فحج آدم موسى ، واليم : البحر . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : أنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه تفهم بالتأمل ، والصلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وبالتاء المثناة من فوق ابن محمد بن عبد الرحمن الخاركي بالخاء المعجمة والراء البصري وهو من أفراده . والحديث من أفراده أيضا من هذا الوجه ، وقال الدارقطني : رواه أبو هلال الراسبي ، عن أبي هريرة فوقفه ، وكان كثيرا ما يتوقى رفعه ، ولما رواه هدبة ، عن مهدي رفعه مرة ، ثم رجع عن رفعه فوقفه ، ومضى هذا الحديث أيضا في كتاب الأنبياء في باب وفاة موسى ، فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة إلى آخره ، وسيأتي أيضا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، وأخرجه أيضا من حديث أبي سعيد ، وأخرجه مسلم بألفاظ منها : فقال موسى : يا آدم ، أنت أبونا ، أخرجتنا من الجنة ، ومنها : قبل أن يخلقني بأربعين سنة ، ومنها : أنت الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ، ومنها : هل وجدت فيها يعني في التوراة : وعصى آدم ربه فغوى ، قال : نعم .

قوله : التقى آدم وموسى عليهما السلام ، وفي لفظ ابن مردويه : فلقيه موسى فقال له ، وفي لفظ للبخاري : احتج آدم وموسى عليهما السلام ، وفي حديث عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى قال : يا رب ، أرنا أبانا الذي أخرجنا ونفسه من الجنة ، فأراه آدم عليه السلام ، فقال : أنت أبونا ؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وأسجد لك ملائكته ؟ قال : نعم ، قال : فما حملك على أن أخرجتنا من الجنة ؟ فقال له آدم : من أنت ؟ قال : موسى ، قال : نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من غير رسول من خلقه ؟ قال : نعم ، قال : أما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق ؟ قال : نعم ، قال : ففيم تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء ؟ قيل : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند ذلك فحج آدم موسى ، فإن قلت : التقاؤهما في أين كان ؟ أكان بالأرواح فقط ؟ أو بالأرواح والأجسام ؟ قلت : قال القابسي : التقت أرواحهما في السماء ، وقيل : يجوز أن يكون ذلك يوم القيامة ، وقال عياض : يجوز أن يحمل على ظاهره ، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما ، وقد ثبت في حديث الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات ، وفي بيت المقدس ، وصلى بهم فلا يبعد أن الله عز وجل أحياهم كما أحيى الشهداء ، ويحتمل أن يكون جرى ذلك في حياة موسى عليه الصلاة والسلام لحديث عمر : أرنا أبانا ، وقد مر الآن ، وقال ابن الجوزي : يجوز أن يكون المراد شرح حال بضرب مثل لو اجتمعا لقالا ، فإن قلت : ما وجه اختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بهذا دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ قلت : لأنه أول من جاء بالتكاليف ، قوله : أنت الذي أشقيت الناس من الشقاوة ، وهي ضد السعادة ، وفي لفظ لمسلم : يا آدم ، أنت أبونا ، خيبتنا ، أي أوقعتنا في الخيبة ، وهي الحرمان والخسران ، وقد خاب يخيب ويخوب معناه كنت سبب خيبتنا ، وفيه جواز إطلاق نسبة الشيء على من تسبب فيه ، قوله : من الجنة المراد بالجنة التي أخرج منها آدم عليه الصلاة والسلام جنة الخلد ، وجنة الفردوس التي هي دار الجزاء في الآخرة ، وجنة الفردوس وغيرها التي هي دار البقاء ، وهي كانت موجودة قبل آدم عليه الصلاة والسلام ، وهو مذهب أهل الحق ، قوله : اصطفاك الله أي أخصك الله بذلك ، ويقال : جعلك خالصا صافيا عن شائبة ما لا يليق بك ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا قوله : وأنزل عليك التوراة فيها تبيان كل شيء من الإخبار بالغيوب والقصص والحلال والحرام والمواعظ وغير ذلك ، قوله : فوجدتها ، ويروى : فوجدته ، الضمير بالتأنيث والتذكير يرجع إلى التوراة بالتأنيث باعتبار اللفظ ، والتذكير باعتبار المعنى وهو الكتاب ، قوله : كتب علي ليس المراد أنه ألزمه إياه وأوجبه عليه ، فلم يكن له في تناول الشجرة كسب واختيار ، وإنما المعنى أن الله أثبته في أم الكتاب قبل كونه وحكم بأن ذلك كائن لا محالة لعلمه السابق ، فهل يجوز أن يصدر عني خلاف علم الله ، فكيف تغفل عن العلم السابق ، وتذكر الكسب الذي هو السبب ، وتنسى الأصل الذي هو القدر ، قوله : فحج آدم موسى عليهما السلام هكذا الرواية برفع آدم على الفاعلية في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلين والرواة والشراح أي غلبه بالحجة ، وظهر عليه بها ، وموسى عليه الصلاة والسلام مال في لومه إلى الكسب ، وآدم عليه الصلاة والسلام مال إلى القدر ، وكلاهما حق لا يبطل أحدهما صاحبه ، ومتى قضي للقدر على الكسب أخرج إلى مذهب القدرية ، أو للكسب على القدر أخرج إلى مذهب الجبرية ، وإنما وقعت الغلبة لآدم عليه الصلاة والسلام من وجهين أحدهما : أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا فيما قضي عليه إلا أن يأذن الشرع بلومه فيكون الشرع هو اللائم ، الثاني : أن الفعل اجتمع فيه القدر والكسب والتوبة تمحو أثر الكسب ، فلما تيب عليه لم يبق إلا القدر ، والقدر لا يتوجه إليه لوم ، قوله : واليم البحر إنما أورد هذا في آخر الحديث إشارة إلى تفسير ما وقع في كتاب الله تعالى من قوله : فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ وفسر بأن المراد من اليم هو البحر ، وقال الثعلبي : اليم نهر النيل ، قيل : وموضع ذكر هذا في الباب الآتي ، وذكره هنا ليس بموجه ، قلت : المراد باليم في الباب الآتي هو بحر القلزم ، والذي ذكره هنا هو النيل ، أطلق عليه البحر لتبحره أيام الزيادة ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث