سورة الأنبياء عليهم السلام
حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله قال : بني إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء هن من العتاق الأول ، وهن من تلادي . هذا الحديث مضى في تفسير بني إسرائيل فإنه أخرجه هناك عن آدم ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : بني إسرائيل فيه حذف ، تقديره سورة بني إسرائيل ، قوله : والكهف يجوز فيه الرفع ، والجر أما الرفع فعلى تقدير أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره والثاني الكهف ، وأما الجر فعلى العطف على لفظ بني إسرائيل لأنه مجرور بالإضافة التقديرية ، وعلى هذا الكلام في الباقي ، والعتاق بكسر العين المهملة جمع عتيق وهو ما بلغ الغاية في الجودة ، والتلاد بكسر التاء المثناة من فوق ما كان قديما ، والأولية باعتبار النزول لأنها مكيات ، وأنها أول ما حفظها من القرآن ، ووجه تفضيل هذه السور لما تضمن ذكر القصص ، وأخبار أجلة الأنبياء عليهم السلام .
وقال قتادة : جذاذا قطعهن . أي قال قتادة في تفسير : جذاذا في قوله عز وجل : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا قطعهن ، رواه الحنظلي ، عن محمد بن يحيى ، عن العباس بن الوليد ، عن يزيد بن زريع ، عن قتادة ، وقال الثعلبي : جذاذا أي كسروا قطعا جمع جذيذ كخفاف جمع خفيف ، وقرأ الكسائي بكسر الجيم ، والباقون بالضم ، وبالضم يقع على الواحد والاثنين ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث . وقال الحسن في فلك مثل فلكة المغزل .
أي قال الحسن البصري في تفسير فلك في قوله تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ مثل فلكة المغزل ، ورواه ابن عيينة ، عن عمرو ، عن الحسن ، وعن مجاهد : كهيئة حديدة الرحى ، وعن الضحاك : فلكها مجراها وسرعة سيرها ، وقيل : الفلك موج مكفوف تجري القمر والشمس فيه ، وقيل : الفلك السماء الذي فيه تلك الكواكب . يسبحون يدورون . أشار به إلى قوله تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وفسره بقوله : يدورون ، ورواه ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يسبحون : يدورون حوله ، وقيل : يجرون ، وجعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعلهم .
قال ابن عباس : نفشت رعت ليلا . أي قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ إن معنى نفشت : رعت ليلا ، وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وهو قول أهل اللغة : نفشت إذا رعت ليلا بلا راع ، وإذا رعت نهارا بلا راع أهملت ، وعند ابن مردويه : كان كرما أينع ، قوله : ليلا لم يثبت إلا في رواية أبي ذر . يصحبون : يمنعون .
أشار به إلى قوله تعالى : وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ وفسره بقوله : يمنعون ووصله ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : يمنعون ، وعن مجاهد : ولا هم منا ينصرون ويحفظون ، وعن قتادة : لا يصحبون من الله بخير . أمتكم أمة واحدة قال : دينكم دين واحد . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾وفسر الأمة بالدين ، وعن قتادة قال : إن هذه أمتكم أي دينكم ، قوله : قال : دينكم أي قال ابن عباس : وليس في بعض النسخ قال ، ونصب أمتكم على القطع .
وقال عكرمة : حصب حطب بالحبشية . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ وقال عكرمة : الحصب هو الحطب بلغة الحبش وليس هذا في رواية أبي ذر ، وعن ابن عباس يعني الأصنام وقود جهنم ، وقرأ بالطاء ، وكذا روي عن عائشة ، وقيل : الحصب في لغة أهل اليمن : الحطب ، وعن ابن عباس أيضا أنه قرأها بالضاد الساقطة المنقوطة ، وهو ما هيجت به النار . وقال غيره : أحسوا توقعوه من أحسست .
أي قال غير عكرمة في معنى أحسوا في قوله تعالى : ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾قال معناه : توقعوه أي العذاب ، وفي التفسير : أي لما رأوا عذابنا إذا هم منها أي من القرية يركضون أي يخرجون مسرعين ، والركض في الأصل ضرب الدابة بالرجل ، وقيل : للسقي ، قال معمر : موضع قال غير عكرمة ، ومعمر بفتح الميمين هو أبو عبيدة معمر بن المثنى ، قوله : من أحسست يعني أحسوا مشتق من أحسست من الإحساس ، وهو في الأصل العلم بالحواس ، وهي مشاعر الإنسان كالعين ، والأذن ، والأنف ، واللسان ، واليد ، ومن هذا قال بعض المفسرين : يعني فلما أحسوا أي فلما أدركوا بحواسهم شدة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة لم يشكوا فيها إذا هم منها يركضون أي يهربون سراعا . خامدين هامدين . أشار به إلى قوله تعالى : حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ وفسره بقوله : هامدين ، وكذا فسره أبو عبيدة ، يقال : همدت النار تهمد همودا أي طفيت ، وذهبت البتة ، والهمدة السكتة ، وهمد الثوب يهمد همودا أي بلي ، وأهمد في المكان أقام ، وأهمد في السير أسرع ، وهذا الحرف من الأضداد ، وأرض هامدة لا نبات بها ، ونبات هامد يابس ، وفي التفسير : معنى خامدين ميتين .
حصيد مستأصل يقع على الواحد والاثنين والجميع . أشار به إلى قوله تعالى : حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا وفسر الحصيد بقوله : مستأصل وهو من الاستئصال ، وهو قلع الشيء من أصله ، قوله : يقع أي لفظ حصيد يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع من الذكور والإناث . لا يستحسرون لا يعيون ، ومنه حسير ، وحسرت بعيري .
أشار به إلى قوله تعالى : لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ وفسره بقوله : لا يعيون بفتح الياء كذا وقع في رواية أبي ذر ، ورد عليه ابن التين وقال : الصواب الضم من الإعياء ، قلت : لا وجه للرد عليه بل الصواب الفتح لأن معنى لا يعيون بالفتح لا يعجزون ، وقيل : لا ينقطعون ، ومنه الحسير ، وهو المنقطع الواقف عيا وكلالا ، والإعياء يكون من الغير ، قوله : وحسرت بعيري أي أعييته . عميق بعيد . أشار به إلى قوله تعالى : مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وفسر العميق بالبعيد ، ولكن هذا في سورة الحج ، واعتذر عنه بعضهم بما ملخصه أنه ذكر في هذه السورة فجاجا ، وذكر الفج استطرادا ، قلت : فيه ما فيه بل الظاهر أنه من غيره .
نكسوا ردوا . أشار به إلى قوله تعالى : نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ وفسره بقوله : ردوا على صيغة المجهول من الماضي ، وعن أبي عبيدة أي قلبوا ، وقال الثعلبي : نكسوا متحيرين ، وعلموا أن الأصنام لا تنطق ولا تبطش ، يقال : نكسته قلبته فجعلت أسفله أعلاه ، وانتكس انقلب ، وقيل : انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم عليه السلام . صنعة لبوس الدروع .
أشار به إلى قوله تعالى : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ وفسر صنعة لبوس بالدروع ، قال أبو عبيدة : اللبوس السلاح كله من درع إلى رمح ، وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : اللبوس الدروع ، كانت صفائح ، وأول من سردها وحلقها داود عليه السلام ، وقال الثعلبي : اللبوس عند العرب السلاح كله درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا ، وإنما عنى الله تعالى به في هذا الموضع الدرع وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب . تقطعوا أمرهم اختلفوا . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾وفسره بقوله : اختلفوا وكذا فسره أبو عبيدة ، وزاد : وتفرقوا ، وفي التفسير : أي اختلفوا في الدين ، وصاروا فيه فرقا ، وأحزابا ، فقد قال عز وجل : كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ فيجزيهم بأعمالهم ، ويقال : اختلفوا فصاروا يهود ونصارى ومجوس ومشركين .
الحسيس والحس والجرس والهمس واحد ، وهو من الصوت الخفي . أشار به إلى قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا قوله : الحسيس مبتدأ ، وما بعده عطف عليه ، وخبره واحد ، قوله : الخفي مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو قوله : وهو ، وكلمة من بيانية ، وفي التفسير : لا يسمع أهل الجنة حسيس النار أي صوتها إذا نزلوا منازلهم من الجنة ، قوله : والجرس بفتح الجيم وكسرها وسكون الراء ، وهذا كله لم يثبت في رواية أبي ذر . آذناك أعلمناك ، آذنتكم إذا أعلمته فأنت وهو على سواء لم تغدر .
أشار به إلى قوله تعالى : قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ وفسره بقوله : أعلمناك ولكن هذا ليس في هذه السورة ، بل هو في سورة حم فصلت ، وإنما ذكره استطرادا لمناسبة ، قوله : آذنتكم في قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وقد فسره بقوله : إذا أعلمته إلى آخره ، قوله : على سواء مستوين في الإعلام به ظاهرين بذلك ، فلا غدر ، ولا خداع لأحد . وقال مجاهد : لعلكم تسألون تفهمون . أي قال مجاهد في قوله تعالى : ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾قال : أي تفهمون ، وقال الحنظلي : حدثنا حجاج ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، ولفظه : تفقهون ، وكذا هو عند ابن المنذر .
ارتضى رضي أشار به إلى قوله تعالى : ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾وفسر ارتضى بقوله : رضي ، قال ابن عباس : رضي بقول لا إله إلا الله . وقال مجاهد : لمن رضي عنه . التماثيل الأصنام أشار به إلى قوله تعالى : مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ وفسر التماثيل بالأصنام ، وهو جمع تمثال ، وهو اسم للشيء المصنوع شبيها بخلق من خلق الله تعالى ، وأصله من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به .
السجل الصحيفة أشار به إلى قوله تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وفسر السجل بالصحيفة ، أي : المكتوب . وقيل : السجل اسم مخصوص كان يكتب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس . وقيل : هو ملك يطوي الصحف .
وبه قال السدي أيضا ، واللام في قوله : للكتب بمعنى على ، يعني : كطي الصحيفة على مكتوبها .