باب وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
( باب : وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ 267 - حدثني سليمان بن داود أبو الربيع ، حدثنا فليح ، عن الزهري ، عن سهل بن سعد ، أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا ، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فأنزل الله فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن ، فقال له رسول الله ج١٩ / ص٧٧صلى الله عليه وسلم : قد قضي فيك وفي امرأتك . قال : فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ففارقها ، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين ، وكانت حاملا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها ، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها .
مطابقته للترجمة ظاهرة ، تؤخذ من قوله " فأنزل الله فيها " ، وفليح بضم الفاء وفتح اللام ابن سليمان ، أبو يحيى الخزاعي ، وكان اسمه عبد الملك ولقبه فليح . والحديث روي عن سهل بطريقين أحدهما عن إسحاق عن محمد بن يوسف ، وقد مر ، والآخر عن سليمان بن داود ، وقد مر الكلام فيه في الباب الذي قبله ، ولنذكر ما لم يذكر فيه . فقوله " أن رجلا " هو عويمر العجلاني ، قوله " قد قضي فيك وفي امرأتك " القضاء فيهما هو بآية اللعان التي نزلت .
قوله " فتلاعنا " فيه حذف كما ذكرناه في الحديث الماضي ، تقديره : قذف امرأته وأنكرت هي الزنا وأصر كل واحد منهما على قوله ثم تلاعنا . قوله " ففارقها " وفي رواية فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية " لاعن ثم لاعنت ثم فرق بينهما " وفي رواية " قال : لا سبيل لك عليها " . قوله " فكانت " أي : الملاعنة سنة التفريق بينهما ، وكلمة " أن " مصدرية ، وقد تأوله ابن نافع المالكي على أن معناه استحباب ظهور الطلاق بعد اللعان ، وقال النووي : قال الجمهور : معناه حصول الفرقة بنفس اللعان ، قلنا : معنى الجواب عن هذا فيما مضى أنه لا بد من حكم الحاكم ، لقوله صلى الله عليه وسلم لعويمر بعد اللعان " فطلقها " .
قوله " وكانت حاملا فأنكر " أي : الرجل أنكر حملها ، فيه دليل على جواز الملاعنة بالحمل ، وإليه ذهب ابن أبي ليلى ومالك وأبو عبيدة وأبو يوسف في رواية ، فافهم ، قالوا : من نفى حمل امرأته لاعن بينهما القاضي وألحق الولد بأمه . وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف في المشهور عنه ، ومحمد ، وأحمد في رواية ، وابن الماجشون من أصحاب مالك ، وزفر بن الهذيل : لا تلاعن بالحمل . وسواء عند أبي حنيفة وزفر ولدت بعد النفي لتمام ستة أشهر أو قبلها ، وعند أبي يوسف ومحمد وأحمد : إن ولدت لأقل من ستة أشهر منذ نفاه وجب عليه اللعان ، لأنه حينئذ يتيقن بوجوده عند النفي ولأكثر منها احتمل أن يكون حمل حادث ، وبه قال مالك إلا أنه يشترط عدم وطئها بعد النفي ، وأجابوا عن الحديث أن اللعان فيه كان بالقذف لا بالحمل ، ولأنه يجوز أن يكون حملا لأن ما يظهر من المرأة مما يتوهم به أنها حامل ليس يعلم أنه حمل على حقيقته إنما هو توهم ، فنفي المتوهم لا يوجب اللعان .
قوله " ثم جرت السنة " إلى آخره ، قد مر حاصله في الباب الذي قبله ، وقد أجمع العلماء على جريان التوارث بينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه وهم إخوته وأخواته من أمه وجداته من أمه ، ثم إذا دفع إلى أمه فرضها أو إلى أصحاب الفروض ويبقى شيء فهو لموالي أمه إن كان عليها ولاء ، وإن لم يكن يكون لبيت المال عند من لا يرى بالرد ولا بتوريث ذوي الأرحام ، والله سبحانه وتعالى أعلم .