باب قوله عز وجل وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
( باب قوله عز وجل : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 266 - حدثنا إسحاق ، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن سهل بن سعد ، أن عويمرا أتى عاصم بن عدي - وكان سيد بني عجلان - فقال : كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا ؛ أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع ؟ سل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأتى عاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، فكره رسول الله ج١٩ / ص٧٤صلى الله عليه وسلم المسائل ، فسأله عويمر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها .
قال عويمر : والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . فجاء عويمر فقال : يا رسول الله ، رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك ، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بالملاعنة ، بما سمى الله في كتابه ، فلاعنها ثم قال : يا رسول الله ، إن حبستها فقد ظلمتها . فطلقها ، فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انظروا ، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين ، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها ، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة ، فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها ، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر ، فكان بعد ينسب إلى أمه .
مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من ظاهر الحديث . ( ذكر رجاله ) : وهم سبعة ؛ الأول : إسحاق ، ذكر غير منسوب ، وقال بعضهم : وعندي أنه ابن منصور . قلت : لا حاجة إلى قوله وعندي ، لأن ابن الغساني قال : إنه منصور .
الثاني : محمد بن يوسف ، أبو عبد الله الفريابي ، وهو من مشايخ البخاري ، وروى عنه بالواسطة . الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي . الرابع : محمد بن مسلم الزهري .
الخامس : سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري رضي الله عنه ، وهؤلاء رواة الحديث . السادس : عويمر ، مصغر عامر ، ابن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن العجلاني ، كذا ذكره صاحب التوضيح ، وقال الذهبي : عويمر بن أبيض ، وقيل : ابن أشقر العجلاني الأنصاري صاحب قصة اللعان . وقيل : هو ابن الحارث .
السابع : عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة العجلاني ، وهو أخو معن بن عدي ، ووالد أبي البداح بن عاصم ، وعاش عاصم عشرين ومائة سنة ، ومات في سنة خمس وأربعين ، وذكر موسى بن عقبة أنه وأخاه من شهداء بدر ، ومعن قتل باليمامة رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الطلاق عن إسماعيل بن عبد الله ، وفي التفسير عن عبد الله بن يوسف ، وفي الاعتصام عن آدم ، وفي الأحكام وفي المحاربين عن علي بن عبد الله ، وفي التفسير أيضا عن أبي الربيع الزهراني ، وفي الطلاق أيضا عن يحيى . وأخرجه مسلم في اللعان عن يحيى وغيره .
وأخرجه أبو داود في الطلاق عن القعنبي وغيره . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن مسلمة . وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان .
( ذكر معانيه ) : قوله : " أيقتله " ، الهمزة فيه للاستفهام ، على سبيل الاستخبار ، أي : أيقتل الرجل ؟ قوله : " سل " أصله اسأل ، فنقلت حركة الهمزة إلى السين بعد حذفها للتخفيف واستغني عن همزة الوصل فحذفت ، فصار سل ، على وزن فل . قوله : " فكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسائل " إنما كره لأن سؤال عاصم فيه عن قضية لم تقع بعد ولم يحتج إليها ، وفيها إشاعة على المسلمين والمسلمات وتسليط اليهود والمنافقين في الكلام في عرض المسلمين ، وفي رواية مسلم " فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال : يا عاصم ، ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عاصم لعويمر : لم تأتني بخير ، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها . قال عويمر : والله لا أنتهي حتى أسأله عنها .
فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال : يا رسول الله ، أرأيت . . " إلى آخره . قوله : " فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة " أي : ملاعنة الرجل امرأته ، وسميت بذلك لقول الزوج : وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين ، واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب وإن كانا موجودين ج١٩ / ص٧٥في الآية الكريمة وفي صورة اللعان ، لأن لفظ اللعن متقدم في الآية ، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانبها ، لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها ، ولأنه قد ينفك لعانه عن لعانها ولا ينعكس .
وقيل : سمي لعانا من اللعن وهو الطرد والإبعاد ، لأن كلا منهما يبعد عن صاحبه ويحرم النكاح بينهما على التأبيد ، بخلاف المطلق وغيره ، وكانت قصة اللعان في شعبان سنة تسع من الهجرة ، وممن نقله القاضي عن الطبري ، واختلف العلماء في سبب نزول آية اللعان هل هو بسبب عويمر العجلاني ، أم بسبب هلال بن أمية ؟ فقال بعضهم : بسبب عويمر العجلاني ، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك " . وقال جمهور العلماء : سبب نزولها قصة هلال ، قال : وكان أول رجل لاعن في الإسلام . وجمع الداودي بينهما باحتمال كونهما في وقت ، فنزل القرآن فيهما أو يكون أحدهما وهما .
وقال الماوردي : النقل فيهما مشتبه مختلف ، وقال ابن الصباغ : قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولا ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام لعويمر " إن الله أنزل فيك وفي صاحبتك " ، فمعناه ما نزل في قصة هلال ، لأن ذلك حكم عام لجميع الناس . وقال النووي : لعلهما سألا في وقتين متقاربين ، فنزلت الآية فيهما ، وسبق هلال باللعان فيصدق أنها نزلت في ذا وذاك . قلت : هذا مثل جواب الداودي بالوجه الأول ، وهو الأوجه .
فإن قلت : جاء في حديث أنس بن مالك " هلال بن أمية " وفي حديث ابن عباس " لاعن بين العجلاني وامرأته " وفي حديث عبد الله بن مسعود " وكان رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاعن امرأته " . قلت : لا اختلاف في ذلك ، لأن العجلاني هو عويمر ، وكذا في قول ابن مسعود ، وكان رجلا . قوله : " فتلاعنا " ، فيه حذف ، والتقدير أنه سأل وقذف امرأته وأنكرت الزنا ، وأصر كل واحد منهما على كلامه ، ثم تلاعنا ، والفاء فيه فاء الفصيحة .
قوله : " إن حبستها فقد ظلمتها ، فطلقها " يفهم من ذلك أن بمجرد اللعان لا تحصل الفرقة ، على ما نذكره في استنباط الأحكام . قوله : " فكانت " أي : الملاعنة ، كانت سنة بالوجه المذكور لمن يأتي بعدهما من المتلاعنين . قوله : " فإن جاءت به " أي : بالولد ، " أسحم " بالحاء المهملة وهو شديد السواد .
قوله : " أدعج العينين " الدعج في العين شدة سوادها ، وفي حديث ابن عباس الآتي " أكحل العينين " . قوله : " عظيم الأليتين " بفتح الهمزة العجز ، يقال : رجل ألي وامرأة عجزاء ، وفي حديث ابن عباس " سابغ الأليتين " . قوله : " خدلج الساقين " الخدلج بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وفتح اللام المشددة وبالجيم : العظيم ، وساق خدلجة مملوءة .
قوله : " أحيمر " تصغير أحمر ، وقال ابن التين : الأحمر الشديد الشقرة . قوله : " وحرة " بفتح الواو وبالحاء المهملة والراء ، وهي دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعظاءة . قوله : " فكان بعد " أي : بعد أن جاء الولد ينسب إلى أمه .
( ذكر استنباط الأحكام ) : وهو على وجوه ، الأول : فيه الاستعداد للوقائع قبل وقوعها ليعلم أحكامها . الثاني : فيه الرجوع إلى من له الأمر . الثالث : فيه أداء الأحكام على الظاهر والله يتولى السرائر .
الرابع : فيه كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها ، لا سيما ما كان فيه هتك سيرة مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة على مسلم أو مسلمة . الخامس : فيه أن العالم يقصد في منزله للسؤال ، ولا ينتظر به عند تصادفه في المسجد أو الطريق . السادس : اختلف العلماء فيمن قتل رجلا وزعم أنه وجده قد زنا بامرأته ، فقال جمهورهم : لا يقتل بل يلزمه القصاص ، إلا أن تقوم بذلك بينة أو تعترف به ورثة القتيل ، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنا ، ويكون القتيل محصنا ، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقا فلا شيء عليه ، وقال بعض الشافعية : يجب على كل من قتل زانيا محصنا القصاص .
السابع : فيه مشروعية اللعان ، وهو مقتبس من قوله تعالى : وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وقال أصحابنا : اللعان شهادة مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن والغضب ، وأنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف ، وفي جانبها قائم مقام حد الزنا ، وقال الشافعي : اللعان إنما كان بلفظ الشهادة مقرونة بالغضب أو اللعن ، فكل من كان من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان ، ومن لا فلا عندنا ، وكل من كان من أهل اليمين فهو من أهل اللعان عنده ، سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن ، ومن لم يكن من أهل الشهادة ولا من أهل اليمين لا يكون من أهل اللعان بالإجماع . الثامن : أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو القاضي ، وبمجمع من الناس ، وهو أحد أنواع تغليظ اللعان ، وقال النووي : يغلظ اللعان بالزمان والمكان والمجمع ، فأما الزمان فبعد العصر والمكان في أشرف موضع في ذلك البلد ، والمجمع طائفة من الناس وأقلهم أربعة ، وهل هذه التغليظات واجبة أم مستحبة ؟ فيه خلاف عندنا ، الأصح الاستحباب . ج١٩ / ص٧٦التاسع : فيه أن بمجرد اللعان لا تقع الفرقة بل تقع بحكم الحاكم عند أبي حنيفة ، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم " فطلقها " ، ولما في حديث ابن عمر أخرجه مسلم " ثم فرق بينهما " وبه قال الثوري وأحمد ، وفي مذهب مالك أربعة أقوال ؛ أحدها : أن الفرقة لا تقع إلا بالتعانهما جميعا ، والثاني : وهو ظاهر قول مالك في الموطأ ، أنها تقع بلعان الزوج ، وهو رواية أصبغ ، والثالث : قول سحنون ، يتم بلعان الزوج مع نكول المرأة ، والرابع : قول ابن القاسم ، يتم بالتعان الزوج إن التعنت ، فحاصل مذهب مالك أنها تقع بينهما بغير حكم حاكم ولا تطليق ، وبه قال الليث والأوزاعي وأبو عبيد وزفر بن هزيل .
وعند الشافعي تقع بالتعان الزوج . واتفق أبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، أن اللعان حكمه وسنته الفرقة بين المتلاعنين إما باللعان وإما بتفريق الحاكم ، على ما ذكرنا من مذاهبهم ، وهو مذهب أهل المدينة ومكة وكوفة والشام ومصر . وقال عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة : إذا تلاعنا لم ينقص اللعان شيئا من العصمة حتى يطلق الزوج ، قال : وأحب إلي أن يطلق .
وقال الإشبيلي : هذا قول لم يتقدمه أحد إليه . قلت : حكى ابن جرير هذا القول أيضا عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ، ثم اختلفوا أن الفرقة بين المتلاعنين فسخ أو تطليقة ؛ فعند أبي حنيفة وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب : هي طلقة واحدة ، وقال مالك والشافعي : هي فسخ . العاشر : فيه أنهما لا يجتمعان أصلا ، لقوله : " فكانت سنة لمن كان بعدهما " .
الحادي عشر : فيه الاعتبار بالشبه لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم اعتبر الشبه ولكن لم يحكم به لأجل ما هو أقوى من الشبه ، فلذلك قال في ولد وليدة زمعة لما رأى الشبه بعينه احتجبي منه يا سودة ، وقضى بالولد للفراش ، لأنه أقوى من الشبه ، وحكم بالشبه في حكم القافة إذ لم يكن هناك شيء أقوى من الشبه . الثاني عشر : فيه إثبات التوارث بينها وبين ولدها ، يفهم ذلك من قوله " فكان بعد ينسب إلى أمه " ، وجاء في حديث يأتي أصرح منه وهو قوله " ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها " وهذا إجماع فيما بينه وبين الأم ، وكذا بينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه ، وبه قال الزهري ومالك وأبو ثور ، وقال أحمد : إذا انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة . وقال أبو حنيفة : إذا انفردت أخذت الجميع ، لكن الثلث فرضا والباقي ردا ، على قاعدته في إثبات الرد .
الثالث عشر : فيه أن شرط اللعان أن يكون بين الزوجين ، لأن الله خصه بالأزواج بقوله : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فعلى هذا إذا تزوج امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها لم يلاعنها لعدم الزوجية . وقال الشافعي : يلاعنها إذا كان القذف ينفي الولد ، وكذا لو طلق امرأته طلاقا بائنا أو ثلاثا ثم قذفها بالزنا لا يجب اللعان ، ولو طلقها طلاقا رجعيا ثم قذفها يجب اللعان ، ولو قذفها بزنا كان قبل الزوجية فعليه اللعان عندنا لعموم الآية ، خلافا للشافعي ، ولو قذف امرأته بعد موتها لم يلاعن عندنا ، وعند الشافعي يلاعن على قبرها . الرابع عشر : فيه سقوط الحد عن الرجل ، وذلك لأجل أيمانه سقط الحد .
الخامس عشر : فيه أن شرط وجوب اللعان عدم إقامة البينة ، لقوله تعالى : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حتى لو أقامهم الزوج عليها بالزنا لا يجب اللعان ، ويقام عليها الحد . السادس عشر : فيه إشارة إلى أن شرط وجوب اللعان إنكار المرأة وجود الزنا ، حتى لو أقرت بذلك لا يجب اللعان ، ويلزمها حد الزنا ؛ الجلد إن كانت غير محصنة والرجم إذا كانت محصنة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .