حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

( باب : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي : هذا باب في قوله عز وجل " وَلا يَأْتَلِ " إلى آخره ، وليس في كثير من النسخ لفظ باب ، ولم تثبت هذه الآية هنا إلا لأبي ذر وحده ، قوله : " وَلا يَأْتَلِ " قال أبو عبيدة : معناه : ولا يفتعل ، من آليت أي أقسمت . وعن ابن عباس : " لا يأتل " أي : لا يقسم ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . وقال الأخفش : وإن شئت جعلته من قول العرب ما ألوت جهدي في شأن فلان أي : ما تركته ولا قصرت فيه .

278 - وقال أبو أسامة

عن هشام بن عروة ، قال : أخبرني أبي عن عائشة قالت : لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا ، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله ، ما علمت على أهلي من سوء ، وأبنوهم بمن ، والله ما علمت عليه من سوء قط ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ، ولا غبت في سفر إلا غاب معي .

فقام سعد بن معاذ فقال : ائذن لي يا رسول الله ، أن نضرب أعناقهم . وقام رجل من بني ج١٩ / ص٩٠الخزرج ، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل ، فقال : كذبت أما والله أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم . حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد وما علمت ، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح فعثرت وقالت : تعس مسطح .

فقلت : أي أم ، تسبين ابنك ؟ وسكتت ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح . فقلت لها : تسبين ابنك ؟ ثم عثرت الثالثة فقالت : تعس مسطح . فانتهرتها ، فقالت : والله ما أسبه إلا فيك .

فقلت : في أي شأني ؟ قالت : فبقرت لي الحديث ، فقلت : وقد كان هذا ؟ قالت : نعم . والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ووعكت ، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني إلى بيت أبي . فأرسل معي الغلام فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ ، فقالت أمي : ما جاء بك يا بنية ؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث ، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني ، فقالت : يا بنية خفضي عليك الشأن ، فإنه والله لقلما كانت امرأة قط حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها وقيل فيها ، وإذا هو لم يبلغ منها ما بلغ مني .

قلت : وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم . قلت : ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واستعبرت وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها . ففاضت عيناه ، قال : أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك .

فرجعت ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمتي فقالت : لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها ، وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لها به ، فقالت : سبحان الله ! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ، وبلغ الأمر إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال : سبحان الله ! والله ما كشفت كنف أنثى قط . قالت عائشة : فقتل شهيدا في سبيل الله . قالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا عائشة ، إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده .

قالت : وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت : ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا ؟ فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت : أجبه ؟ قال فما ذا أقول ؟ فالتفت إلى أمي : فقلت أجيبيه . فقالت : أقول ماذا ؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت : أما بعد ، فوالله لئن قلت لكم إني لم أفعل والله عز وجل يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم ، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم ، وإن قلت إني فعلت والله يعلم أني لم أفعل ، لتقولن قد باءت به ج١٩ / ص٩١على نفسها ، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا - والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا - أبا يوسف حين قال : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول : أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك . قالت : وكنت أشد ما كنت غضبا ، فقال لي أبواي : قومي إليه .

فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي ، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه . وكانت عائشة تقول : أما زينب ابنة جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا ، وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك ، وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي - وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة - قالت : فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا ، فأنزل الله عز وجل وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ إلى آخر الآية ، يعني : أبا بكر وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ يعني : مسطحا ، إلى قوله : أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ حتى قال أبو بكر : بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا ، وعاد له بما كان يصنع . هذا طريق آخر في قصة الإفك ، وهو معلق كما ذكرنا ، وأسنده مسلم في كتاب التوبة مختصرا .

قوله : " لما ذكر من شأني " على صيغة المجهول ، والشأن : الأمر والحال ، قاله الجوهري ، قوله : " وما علمت به " الواو فيه للحال . قوله : " قام " جواب لما . قوله : " في " بكسر الفاء وتشديد الياء .

قوله : " أبنوا " بفتح الباء الموحدة وروي بالتخفيف والتشديد والتخفيف أشهر ومعناه : اتهموا أهلي ، والأبن بفتح الهمزة : التهمة ، يقال : أبنه يأبنه بضم الباء وكسرها إذا اتهمه ورماه بخلة سوء ، فهو مأبون ، قالوا : وهو مشتق من الأبن بضم الهمزة وفتح الباء وهي العقد في القسي تفسدها . قوله : " وأبنوهم بمن " كلمة " من " هنا عبارة عن صفوان . قوله : " والله " إلى قوله " فقام سعد بن معاذ " في براءة صفوان وبيان دينه المتين .

" وقام رجل " هو سعد بن عبادة . قوله : " أم حسان " وهي الفريعة بنت خالد بن حسر بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية ، والفريعة بضم الفاء وبالعين المهملة . قوله : " فيك " كلمة " في " هنا للتعليل ، أي : لأجلك .

قوله : " فنقرت " بالنون والقاف أي أظهرت وقررت بعجزه وبجره ، قاله الكرماني ، وقال ابن الأثير في باب الباء الموحدة مع القاف ومنه ، فبقرت لها الحديث ، أي : فتحته وكشفته . قوله : " لا أجد منه لا قليلا ولا كثيرا " معناه : أني دهشت بحيث ما عرفت لأي أمر خرجت من البيت . قوله : " ووعكت " بضم الواو أي مرضت بحمى .

قوله : " أم رومان " قد ذكرنا أنه بضم الراء وفتحها . وقال الكرماني : اسمها زينب . قوله : " في السفل " بكسر السين وضمها .

قوله : " أقسمت عليك " هذا مثل قولهم : نشدتك بالله إلا فعلت ، أي : ما أطلب منك إلا رجوعك إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : " عن خادمتي " ويروى " عن خادمي " والخادم يطلق على الذكر والأنثى والمراد بها بريرة بفتح الباء الموحدة . قوله : " حتى أسقطوا لها به " قال النووي : هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا ، بالباء التي هي حرف الجر ، كذا نقله القاضي عن رواية الجلودي ، وفي رواية ابن هامان " لها تها " ، بالتاء المثناة من فوق ، قال الجمهور : هذا غلط ، والصواب الأول ، ومعناه : صرحوا لها بالأمر ، ولهذا قالت : سبحان الله ! استعظاما لذلك .

وقيل : معناه : أتوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها ، ويقال : أسقط وسقط في كلامه إذا أتى فيه بساقط ، وقيل : إذا أخطأ فيه ، وعلى رواية ابن ماهان " إن صحت معناه أسكتوها " وهذا ضعيف ، لأنها لم تسكت بل قالت سبحان الله ، والضمير في به عائد إلى الانتهار أو السؤال . وقال الكرماني : ويروى الهابة ج١٩ / ص٩٢بلفظ المصدر من اللهيب . قوله : " على تبر الذهب " بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الباء الموحدة ، وهو القطعة الخالصة .

قوله : " وبلغ الأمر " أي : أمر الإفك . قوله : " إلى ذلك الرجل " وهو صفوان . قوله : " كنف أنثى " بفتح الكاف والنون وهو الساتر ، وأراد به الثوب .

قوله : " فقتل شهيدا في سبيل الله " وهو صفوان بن المعطل السلمي ، وقال ابن إسحاق : قتل صفوان بن المعطل في غزوة أرمينية شهيدا ، وأميرهم يومئذ عثمان بن العاص ، سنة تسع عشرة في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه . وقيل : إنه مات بالجزيرة في ناحية شمشاط ، ودفن هناك . وقيل غير ذلك .

قوله : " قارفت " بالقاف والراء والفاء ، أي : كسبت . قوله : " وقد جاءت امرأة .. . .. .

قوله : " أقول ماذا ؟ " فإن قلت : الاستفهام يقتضي الصدارة ، قلت : هو متعلق بفعل مقدر بعده . قوله : " وأشربته " على صيغة المجهول والضمير المنصوب فيه يرجع إلى أمر الإفك ، و" قلوبكم " مرفوع بقوله " أشربت " . قوله : " باءت به على نفسها " أي : أقرت به .

قوله : " أشد ما كنت غضبا " نحو قولهم : أخطب ما يكون الأمير قائما . قال الكرماني : قلت : ليس كذلك ، لأن قوله : أخطب ، في قوله : أخطب ما يكون ، مبتدأ ، وقوله : قائما ، حال سد مسد الخبر ، والتقدير : أخطب كون الأمير قائما حاصل ، وقوله : أشد ما كنت ، خبر ، قوله : وكنت أشد ما كنت ، وقوله : غضبا ، خبر كنت الثاني ، والمعنى : وكنت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببراءتي أشد ، أي : أقوى ما كنت غضبا من غضبي قبل ذلك . قوله : " ذلك " لأن أفعل التفضيل يستعمل إما بالإضافة أو بمن أو بالألف واللام ، وهنا يقتضي الحال استعماله بمن ، على ما لا يخفى .

قوله : " فعصمها الله " أي : حفظها ومنعها . قوله : " فهلكت فيمن هلك " أي : حدت فيمن حد . قوله : " يستوشيه " أي : يطلب ما عنده ليزيده ويربيه .

قوله : " ولا يأتل " أي : ولا يحلف ، ومضى الكلام فيه في قصة الإفك مستوفى في كتاب الشهادات .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث