سورة حم الجاثية
( سورة حم الجاثية ) ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( جاثية مستوفزين على الركب ) .
( وقال مجاهد : نستنسخ نكتب ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي نكتب عملكم ، وفي رواية أبي ذر : نستنسخ ، بلا لفظ ، قال مجاهد : وهذا التعليق رواه عبد عن عمر بن سعد ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وفي التفسير معناه : نأمر ، بالنسخ ، وعن الحسن : معناه نحفظ ، وعن الضحاك : نثبت .
( ننساكم نترككم ) . ( وما يهلكنا إلا الدهر الآية ) .
322 - ( حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الله - عز وجل - : يؤذيني ابن آدم ج١٩ / ص١٦٧يسب الدهر ، وأنا الدهر بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحميدي عبد الله بن الزبير ، وسفيان بن عيينة ، والزهري محمد بن مسلم .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن الحميدي أيضا ، وأخرجه مسلم في الأدب عن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر ، وأخرجه أبو داود فيه عن ابن السرح ومحمد بن الصباح ، وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الله بن يزيد . قوله : " يؤذيني ابن آدم " ، قال القرطبي : معناه يخاطبني من القول بما يتأذى من يجوز في حقه التأذي ، والله منزه عن أن يصير إليه الأذى ، وإنما هذا من التوسع في الكلام ، والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله - عز وجل - ، وقال الطيبي : الإيذاء إيصال المكروه إلى الغير قولا أو فعلا أثر فيه أو لم يؤثر ، وإيذاء الله عبارة عن فعل ما يكرهه ولا يرضى به ، وكذا إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله : " يسب الدهر " الدهر في الأصل اسم لمدة العالم ، وعليه قوله تعالى هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة ، وهو خلاف الزمان ، فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة ، فإذا المراد في الحديث بالدهر : مقلب الليل والنهار ومصرف الأمور فيهما ، فينبغي أن يفسر الأول بذلك ، كأنه قيل تسب مدبر الأمر ومقلب الليل والنهار وأنا المدبر والمقدر ؟ فجاء الاتحاد ، قوله : وأنا الدهر ، قال الخطابي : معناه أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر ، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلي لأني فاعلها ، وإنما الدهر زمان جعلته ظرفا لمواقع الأمور ، وكان من عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر وقالوا : وما يهلكنا إلا الدهر ، وسبوه ، فقالوا : بؤسا للدهر وتبا له ، إذ كانوا لا يعرفون للدهر خالقا ، ويرونه أزليا أبديا فلذلك سموا بالدهرية ، فأعلم الله سبحانه وتعالى أن الدهر محدث يقلبه بين ليل ونهار لا فعل له في خير وشر ، لكنه ظرف للحوادث التي الله تعالى يحدثها وينشئها . وقال النووي : أنا الدهر بالرفع ، وقيل : بالنصب على الظرف ، ( قلت ) كان أبو بكر بن داود الأصفهاني يرويه بفتح الراء من الدهر منصوبة على الظرف ، أي أنا طول الدهر بيدي الأمر ، وكان يقول : لو كان مضموم الراء لصار من أسماء الله تعالى ، وقال القاضي : نصبه بعضهم على التخصيص ، قال : والظرف أصح وأصوب ، وقال أبو جعفر النحاس : يجوز النصب ، أي بأن الله باق مقيم أبدا لا يزول .
وقال ابن الجوزي : هذا باطل من وجوه ، الأول : أنه خلاف النقل ، فإن المحدثين المحققين لم يضبطوه إلا بالضم ، ولم يكن ابن داود من الحفاظ ولا من علماء النقل . الثاني : أنه ورد بألفاظ صحاح تبطل تأويله ، وهي : لا تقولوا يا خيبة الدهر ، فإن الله هو الدهر ، أخرجاه ، ولمسلم : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر . الثالث : تأويله يقتضي أن يكون علة النهي لم تذكر ؛ لأنه إذا قال لا تسبوا الدهر فأنا الدهر أقلب الليل والنهار ، فكأنه قال : لا تسبوا الدهر ، وأنا أقلبه ، ومعلوم أنه يقلب كل شيء من خير وشر ، وتقليبه للأشياء لا يمنع ذمها ، وإنما يتوجه الأذى في قوله : " يؤذيني ابن آدم " على ما كانت عليه العرب إذا أصابتهم مصيبة يسبون الدهر ويقولون عند ذكر موتاهم : أبادهم الدهر ، ينسبون ذلك إليه ، ويرونه الفاعل لهذه الأشياء ، ولا يرونها من قضاء الله وقدره ، قلت : قوله : أقلب الليل والنهار ، قرينة قوية دالة على أن المضاف في قوله : أنا الدهر محذوف ، وأن أصله خالق الدهر ؛ لأن الدهر في الأصل عبارة عن الزمان مطلقا ، والليل والنهار زمان ، فإذا كان كذلك يطلق على الله أنه مقلب الليل والنهار بكسر اللام ، والدهر يكون مقلبا بالفتح ، فلا يقال : الله الدهر مطلقا ؛ لأن المقلب غير المقلب ، فافهم .
وقد تفردت به من الفتوحات الربانية ، وعلى هذا لا يجوز نسبة الأفعال الممدوحة والمذمومة للدهر حقيقة ، فمن اعتقد ذلك فلا شك في كفره ، وأما من يجري على لسانه من غير اعتماد صحته فليس بكافر ، ولكنه تشبه بأهل الكفر وارتكب ما نهاه عنه الشارع فليتب وليستغفر .