باب أفرأيتم اللات والعزى
حدثنا عبد الله بن محمد ، أخبرنا هشام بن يوسف ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف فقال في حلفه : واللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في النذور عن عبد الله بن محمد ، وفي الأدب عن إسحاق ، وفي الاستئذان عن يحيى بن بكير ، وأخرجه مسلم في الأيمان والنذور عن أبي الطاهر وحرملة ، وعن سويد بن سعيد ، وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي ، وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن منصور ، وأخرجه النسائي فيه عن كثير بن عبيد ، وفي اليوم والليلة عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن أحمد بن سليمان ، وأخرجه ابن ماجه في الكفارات عن وحيم . قوله : من حلف إلى آخره قال الخطابي : اليمين إنما يكون بالمعبود الذي يعظم ، فإذا حلف بها فقد ضاهى الكفار في ذلك ، فأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد ، وأما قوله : فليتصدق فمعناه يتصدق بالمال الذي يريد أن يقامر عليه .
وقيل : يتصدق بصدقة من ماله كفارة لما جرى على لسانه من هذا القول . قوله : فقال في حلفه أي في يمينه ، والحلف بفتح الحاء وكسر اللام وإسكانها أيضا ، والحلف بكسر الحاء وإسكان اللام العهد قوله : فليقل لا إله إلا الله إنما أمره بذلك لأنه تعاطى تعظيم الأصنام ، وقال النووي : قال أصحابنا إذا حلف باللات أو غيرها من الأصنام أو قال : إن فعلت كذا ، فأنا بعد يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك لم ينعقد يمينه ، بل عليه أن يستغفر الله تعالى ويقول : لا إله إلا الله ، ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا ، هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء ، وقال أبو حنيفة : تجب الكفارة في كل ذلك إلا في قوله : أنا مبتدع أو بريء من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اليهودية . انتهى .
وفي فتاوى الظهيرية : ولو قال : هو يهودي أو بريء من الإسلام إن فعل كذا عندنا يكون يمينا ، فإذا فعل ذلك الفعل هل يصير كافرا هذا على وجهين إن حلف بهذه الألفاظ وعلق بفعل ماض ، وهو عالم وقت اليمين أنه كاذب اختلفوا فيه قال بعضهم : يصير كافرا لأنه تعليق بشرط كائن ، وهو تنجيز ، وقال بعضهم : لا يكفر ولا يلزمه الكفارة ، وإليه مال شيخ الإسلام خواهر زاده ، وإن حلف بهذه الألفاظ على أمر مستقبل ، قال بعضهم : لا يكفر ويلزمه الكفارة ، والصحيح ما قاله السرخسي أنه ينظر إن كان في اعتقاد الحالف أنه لو حلف بذلك على أمر في الماضي يصير كافرا في الحال ، وإن لم يكن في اعتقاده ذلك لا يكفر سواء كانت اليمين على أمر في المستقبل ، أو في الماضي . قوله : تعال أمر من التعالي ، وهو الارتفاع ، تقول منه إذا أمرت : تعال يا رجل بفتح اللام ، وللمرأة تعالي وللمرأتين تعاليا ، وللنسوة تعالين ، ولا يجوز أن يقال منه : تعاليت ولا ينهى عنه . قوله : أقامرك مجزوم لأنه جواب الأمر يقال : قامره يقامره قمارا إذا طلب كل واحد أن يغلب صاحبه في عمل أو قول ليأخذ مالا جعلاه للغالب ، وهو حرام بالإجماع .
قوله : فليتصدق ، وفي رواية مسلم : فليتصدق بشيء قال العلماء : أمر بالتصدق تكفيرا لخطيئته في كلامه بهذه المعصية ، قال الخطابي : يتصدق بمقدار ما كان يريد أن يقامره به ، وهو قول الأوزاعي ، وقال النووي رحمه الله : الصواب أن يتصدق بما تيسر مما يطلق عليه اسم الصدقة ، وفي التلويح وعن بعض الحنفية : إن قوله : فليتصدق المراد بها كفارة اليمين ، وقال بعضهم : وفيه ما فيه . قلت : ما فيه إلا عدم فهم من لا يفهم ما فيه ، وإنما قال بعضهم : المراد بها كفارة اليمين ؛ لأن هذا ينعقد يمينا على رأي هذا القائل ، فإذا انعقد يمينا تجب عليه الكفارة .