حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

سورة الرحمن

﴿بسم الله الرحمن الرحيم . سورة الرحمن أي هذا في تفسير بعض سورة الرحمن علم القرآن ، قال أبو العباس : أجمعوا على أنها مكية إلا ما روى همام عن قتادة أنها مدنية ، قال : وكيف تكون مدنية ، وإنما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم بسوق عكاظ ، فسمعته الجن وأول شيء سمعت قريش من القرآن جهرا سورة الرحمن ، قرأها ابن مسعود عند الحجر ، فضربوه حتى أثروا في وجهه ، وفي رواية سعيد عن قتادة : إنها مكية ، وقال السخاوي : نزلت قبل هَلْ أَتَى وبعد سورة الرعد ، وهي ألف وستمائة وستة وثلاثون حرفا ، وثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة ، وثمان وسبعون آية ، نزلت حين قالوا : وما الرحمن ، وكذا وقعت السورة بدون البسملة عندهم ، وزاد أبو ذر البسملة ، والرحمن آية عند الأكثرين ، وارتفاعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أو بالعكس . وقيل : الخبر علم القرآن ، وهو تمام الآية .

وقال مجاهد : بحسبان كحسبان الرحى أي قال مجاهد في قوله تعالى : و﴿الشمس والقمر بحسبان كحسبان الرحى ، معناه يدوران في مثل قطب الرحى ، والحسبان قد يكون مصدر حسبت حسابا وحسبانا مثل الغفران والكفران والرجحان والنقصان والبرهان ، وقد يكون جمع حساب كالشهبان والركبان والقضبان والرهبان ، والتقدير : الشمس والقمر يجريان بحسبان ، وتعليق مجاهد رواه عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه ، ولفظ أبي يحيى عنه قال : يدوران في مثل قطب الرحى كما ذكرناه ، وعن الضحاك بعدد يجريان . وقيل : بحساب ومنازل لا يعدونها ، وكذا روي عن ابن عباس وقتادة ، وعن ابن زيد وابن كيسان بهما تحسب الأوقات والأعمار والآجال ، وعن السدي بأجل كآجال الناس ، فإذا جاء أجلهما هلكا ، وعن يمان يجريان بأجل الدنيا وقضائها وفنائها . وقال غيره : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ يريد لسان الميزان أي وقال غير مجاهد في تفسير قوله عز وجل : ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ يريد لسان الميزان ، روي هكذا عن أبي الدرداء ، فإنه قال : أقيموا لسان الميزان بالقسط ، أي بالعدل ، وعن ابن عيينة الإقامة باليد والقسط بالقلب ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ أي لا تطففوا في المكيل والموزون .

والعصف بقل الزرع إذا قطع منه شيء قبل أن يدرك فذلك العصف والريحان ورقه ، والحب الذي يؤكل منه ، والريحان في كلام العرب الرزق ، وقال بعضهم : والعصف يريد المأكول من الحب والريحان النضيج الذي لم يؤكل ، وقال غيره : العصف ورق الحنطة ، وقال الضحاك : العصف التبن ، وقال أبو مالك : العصف أول ما ينبت تسميه النبط هبورا ، وقال مجاهد : العصف ورق الحنطة والريحان الرزق . أشار بهذا إلى قوله تعالى : ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ وقال : العصف بقل الزرع إذا قطع منه شيء قبل أن يدرك ، أي الزرع ، فذلك هو العصف ، كذا نقل عن الفراء ، وعن ابن كيسان : العصف ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولا ورقا ، ثم يكون سوقا ، ثم يحدث الله تعالى فيه أكماما ، ثم يحدث في الأكمام الحب ، وعن ابن عباس : ورق الزرع الأخضر إذا قطعت رؤوسه ويبس هو العصف . قوله : وَالرَّيْحَانُ ورقه ، أي ورق الحب ، وفي بعض النسخ : رزقه بالراء ثم الزاي ، ونقل الثعلبي ، عن مجاهد : الريحان الرزق ، وعن مقاتل بن حيان الريحان الرزق بلغة حمير ، وعن ابن عباس الريحان الريع ، وعن الضحاك : هو الطعام فالعصف هو التين والريحان ثمرته ، وعن الحسن وابن زيد هو ريحانكم هذا الذي تشمونه ، وعن ابن عباس : هو خضرة الزرع .

قوله : والحب الذي يؤكل منه ، أي من الزرع ، قوله : وَالرَّيْحَانُ في كلام العرب الرزق بالراء والزاي ، تقول العرب : خرجنا نطلب ريحان الله ، أي رزقه . قوله : وقال بعضهم : والعصف يريد المأكول من الحب أراد بالبعض الفراء ؛ فإنه قال : العصف المأكول من الحب والريحان النضيج الذي لم يؤكل ، النضيج فعيل بمعنى المنضوج ، يقال : نضج التمر واللحم نضجا ونضجا ، أي أدرك ، فهو نضيج وناضج ، وأنضجته أنا . قوله : وقال غيره كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : وقال مجاهد : العصف ورق الحنطة ، كذا رواه ابن أبي نجيح عنه .

قوله : وقال الضحاك العصف التبن كذا ذكره في تفسيره من رواية جويبر عنه . قوله : وقال أبو مالك : لا يعرف اسمه قاله أبو زرعة ، وقال غيره : اسمه غزوان وليس له في البخاري غيره ، وهو كوفي تابعي ثقة . قوله : النبط بفتح النون والباء الموحدة وبالطاء المهملة ، وهم أهل الفلاحة من الأعاجم ينزلون بالبطائح بين العراقين .

قوله : هبورا بفتح الهاء وضم الباء الموحدة المخففة وسكون الواو بعدها راء ، وهو دقاق الزرع بالنبطية ، وقد قال ابن عباس في قوله تعالى : كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ هو الهبور وقول أبي مالك : رواه يحيى بن عبد الحميد ، عن ابن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد عنه ، قوله : وقال : مجاهد إلى آخره ، رواه عبد بن حميد ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد . والمارج : اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وفسر المارج بالذي ذكره ، وكذا رواه ابن أبي حاتم بسنده عن مجاهد ، وهو من : مرج أمر القوم إذا اختلط ، وعن ابن عباس هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهب . وقيل : مِنْ مَارِجٍ من لهب صاف خالص لا دخان فيه ، والجان أبو الجن ، وعن الضحاك هو إبليس ، وعن أبي عبيدة : الجان واحد الجن .

وقال بعضهم : قال مجاهد : رب المشرقين للشمس في الشتاء مشرق ومشرق في الصيف ، ورب المغربين مغربها في الشتاء والصيف أشار به إلى قوله تعالى : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ وفسره بما ذكره ، ورواه ابن المنذر عن علي بن المبارك ، حدثنا زيد ، أخبرنا ابن ثور ، عن ابن جريج ، عن مجاهد . لا يبغيان لا يختلطان أشار به إلى قوله تعالى : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ أي لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه ، وعن قتادة : لا يطغيان على الناس بالغرق ، والمراد بالبحرين بحر الروم وبحر الهند ، كذا روي عن الحسن . قال : وأنتم الحاجز بينهما ، وعن قتادة بحر فارس والروم بينهما برزخ ، وهو الجزائر ، وعن مجاهد والضحاك : يعني بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : بينهما من البعد ما لا يبغي أحدهما على صاحبه ، وتقدير قوله يلتقيان على هذا أن يلتقيا فحذف أن ، وهو شائع في كلام العرب ، ومنه قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ أي أن يريكم البرق ، وهذا يؤيد قول من قال : إن المراد بالبحرين بحر فارس وبحر الروم ؛ لأن مسافة ما بينهما ممتدة .

الْمُنْشَآتُ ما رفع قلعه من السفن ، فأما ما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ وفسرها بما ذكر ، وهو قول مجاهد أيضا ، والجواري السفن الكبار جمع جارية ، والمنشآت المقبلات المبتديات اللاتي أنشأت جريهن وسيرهن . وقيل : المخلوقات المرفوعات المسخرات .

وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر الشين ، والباقون بفتحها قوله : قلعه بكسر القاف ، واقتصر عليه الكرماني ، وحكى ابن التين فتحها أيضا ، وهو الشراع . وقال مجاهد كَالْفَخَّارِ كما يصنع الفخار أي قال مجاهد في قوله تعالى : ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ قوله : كما يصنع على صيغة المجهول ، أي يصنع الخزف ، وهو الطين المطبوخ بالنار ، وليس المراد منه صانعه ، فافهم ، وهذا في بعض النسخ متقدم على ما قبله ، وفي بعضها متأخر عنه . النحاس الصفر يصب على رؤوسهم يعذبون به أشار به إلى قوله تعالى : ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ وفسر النحاس بما ذكره ، وكذا فسره مجاهد ، وفي بعض النسخ : نحاس الصفر بدون الألف واللام ، وهو الأصوب ؛ لأنه في التلاوة ، كذا قوله : فَلا تَنْتَصِرَانِ أي فلا تمتنعان .

خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ يهم بالمعصية فيذكر الله عز وجل فيتركها . أشار به إلى قوله عز وجل : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ وفسره بقوله : يهم ، أي يقصد الرجل بأن يفعل معصية أرادها ، ثم ذكر الله تعالى وعظمته ، وأنه يعاقب على المعصية ، ويثيب على تركها فيتركها ، فيدخل فيمن له جنتان ، وفي بعض النسخ : وقال مجاهد : خاف مقام ربه إلى آخره . ورواه ابن المنذر عن بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد .

الشواظ لهب من نار أشار به إلى قوله تعالى : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ وفسره بأنه لهب من نار ، وهو قول مجاهد أيضا . وقيل : هو النار المحضة بغير دخان ، وعن الضحاك هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب . مُدْهَامَّتَانِ سوداوان من الري أي من شدة الخضرة صارت سوداوان؛ لأن الخضرة إذا اشتدت شربت إلى السواد .

صَلْصَالٍ خلط برمل فصلصل كما يصلصل الفخار ، ويقال : منتن يريدون به صل ، يقال : صلصال كما يقال : صر الباب عند الإغلاق ، وصرصر مثل كبكبته يعني كببته أشار به إلى قوله تعالى : ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ولم يثبت هذا في رواية أبي ذر . قوله : خَلَقَ الإِنْسَانَ أي : آدم من صلصال ، أي من طين يابس له صلصلة كالفخار ، وفسره البخاري بقوله : خلط برمل الطين إذا خلط برمل ويبس صار قويا جدا بحيث إنه إذا ضرب خرج له صوت ، وأشار إليه بقوله : فصلصل كما يصلصل الفخار ، أي الخزف ، وصلصل فعل ماض ، ويصلصل مضارع ، والمصدر صلصلة وصلصال . قوله : ويقال منتن يريدون به صل أشار به إلى أنه يقال لحم منتن يريدون به أنه صل يقال : صل اللحم يصل بالكسر صلولا ، أي : أنتن مطبوخا كان أو نيا ، وأصل مثله قوله يقال صلصال كما يقال صر الباب ، أشار به إلى أن صلصل مضاعف صل كما يقال صر الباب إذا صوت فيضاعف ، ويقال : صرصر كما ضوعف كببته فقيل : كبكبته ، وكما يقال في كبه كبكبه ، ومنه قوله تعالى : فَكُبْكِبُوا فِيهَا أصله : كبوا يقال : كبه لوجهه ، أي صرعه ، فأكب هو على وجهه ، وهذا من النوادر أن يقال : أفعلت أنا وفعل غيره .

فاكهة ونخل ورمان ، وقال بعضهم : ليس الرمان والنخل بالفاكهة ، وأما العرب فإنها تعدها فاكهة ، كقوله عز وجل : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فأمرهم بالمحافظة على كل الصلوات ، ثم أعاد العصر تشديدا لها كما أعيد النخل والرمان ، ومثلها أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ثم قال : وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وقد ذكرهم في أول قوله : مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ أي في الجنتين اللتين ذكرهما بقوله : ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فالجنان أربعة ذكرها الله تعالى بقوله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ثم قال : ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ أي ومن دون الجنتين الأوليين الموعودتين لمن خاف مقام ربه جنتان أخريان ، وعن ابن عباس : ومن دونهما يعني في الدرج ، وعن ابن زيد : في الفضل . قوله : وقال بعضهم قال صاحب التوضيح : يعني به أبا حنيفة ، وقال الكرماني : قيل أراد به أبا حنيفة . قلت : لا يلزم تخصيص هذا القول بأبي حنيفة وحده ؛ فإن جماعة من المفسرين ذهبوا إلى هذا القول قاله الفراء ؛ فإنهم قالوا : ليس الرمان والنخل بالفاكهة ؛ لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ودواء ، فلم يخلصا للتفكه ، ومنه قالوا : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث .

قوله : وأما العرب فإنها تعدها فاكهة هذا جواب البخاري عما قال بعضهم : ليس الرمان والنخل بالفاكهة ولهم أن يقولوا : نحن ما ننكر إطلاق الفاكهة عليهما ، ولكنهما غير متمحضين في التفكه ، فمن هذه الحيثية لا يدخلان في قول من حلف لا يأكل فاكهة . قوله: كقوله عز وجل إلى آخره ملخصه أنه من عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فإنه أمر بالمحافظة على الصلوات ، ثم عطف عليها قوله : وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى مع أنها داخلة في الصلوات تشديدا لها ، أي تأكيدا لها وتعظيما وتفضيلا كما أعيد النخل والرمان ، أي كما عطفا على فاكهة ، ولهم أن يقولوا لا نسلم أن فاكهة عام ؛ لأنها نكرة في سياق الإثبات ؛ فلا عموم . قوله : ومثلها ، أي ومثل فاكهة ونخل ورمان .

قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ إلى آخره ، ولهم أن يمنعوا المشابهة بين هذه الآية وبين الآيتين المذكورتين ؛ لأن الصلوات ومن في الأرض عامان بلا نزاع ، بخلاف لفظ فاكهة ؛ فإنها نكرة في سياق الإثبات كما ذكرنا . قوله : وقد ذكرهم ، أي كثير من الناس في ضمن : مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وقال غيره أفنان أغصان أي قال غير مجاهد وإنما قلنا كذا لأنه لم يذكر فيما قبله صريحا إلا مجاهد ، وقال : أفنان أغصان ، وذلك في قوله : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ وهو جمع فنن ، كذا روي عن ابن عباس ، وفي التفسير : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ أي ألوان فعلى هذا هو جمع فن ، وهو من قولهم : افتن فلان في حديثه إذا أخذ في فنون منه وضروب ، وعن عكرمة مولى ابن عباس : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ قال : الأغصان على الحيطان ، وعن الضحاك : ألوان الفواكه . وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ما يجتنى قريب أشار به إلى قوله تعالى : وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وفسره بقوله : ما يجتنى ، أي الذي يجتنى من أشجار الجنتين دان ، أي قريب يناله القائم والقاعد والمضجع ، وهذا سقط من رواية أبي ذر .

وقال الحسن : فَبِأَيِّ آلاءِ نعمه ، وقال قتادة : رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يعني الجن والإنس أي قال الحسن البصري وقتادة في قوله تعالى : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فالحسن فسر آلاء بالنعم ، وقتادة فسر ربكما بالجن والإنس ، والآلاء جمع ألى بالفتح والقصر ، وقد تكسر الهمزة ، وربكما خطاب للجن والإنس ، وإن لم يتقدم ذكرهم ، وإنما قال : تُكَذِّبَانِ بالتثنية على عادة العرب ، والحكمة في تكرارها أن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه ، ثم أتبع ذكر كل كلمة وصفها ونعمة ذكرها بهذه الآية ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ؛ لينبههم على النعم ويقررهم بها . وقال أبو الدرداء : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يغفر ذنبا ويكشف كربا ويرفع قوما ويضع آخرين أي قال أبو الدرداء عويمر بن مالك في قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، قال : حدثنا الوزير ابن صالح أبو روح الدمشقي قال : سمعت يونس بن ميسرة جلس يحدث عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن سيدنا سيد المخلوقين : محمد صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال : من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين . وقال ابن عباس : برزخ حاجز أي قال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ أي حاجز بينهما ، وقيل : حائل لا يتعدى أحدهما على الآخر من قدرة الله وحكمته البالغة .

الأنام الخلق أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ وعن ابن عباس والشعبي : الأنام كل ذي روح . وقيل : الإنس والجن . نضاختان فياضتان أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ وفسره بقوله : فياضتان .

وقيل : ممتلئتان . وقيل : فوارتان بالماء لا ينقطعان ، وعن الحسن ينبعان ، ثم يجريان ، وعن سعيد بن جبير : نضاختان بالماء وألوان الفاكهة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ينضخان بالخير والبركة على أهل الجنة ، وأصل النضخ الرش ، وهو أكثر من النضح بالحاء المهملة . ذي الجلال : ذو العظمة أشار به إلى قوله تعالى : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ أي ذو العظمة والكبرياء .

قوله : وَالإِكْرَامِ أي ذو الكرم ، وهو الذي يعطي من غير مسألة ولا وسيلة . وقيل : المتجاوز الذي لا يستقصي في العتاب . وقال غيره : مَارِجٍ خالص من النار ، يقال : مرج الأمير رعيته إذا خلاهم يعدوا بعضهم على بعض ، مرج أمر الناس مريج ملتبس ، مرج اختلط البحران من مرجت دابتك تركتها أي قال غير ابن عباس في قوله تعالى : ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وهذا مكرر ؛ لأنه ذكر عن قريب ، وهو قوله : والمارج اللهب الأصفر ، ومضى الكلام فيه مستوفى .

قوله : يقال : مرج الأمير رعيته إشارة إلى أن لفظ مرج يستعمل لمعان ؛ فمن ذلك قولهم مرج الأمير - وهو بفتح الراء - رعيته : إذا خلاهم يعني إذا تركهم يعدو - أي يظلم - بعضهم بعضا ، ومن ذلك مرج أمر الناس هذا بكسر الراء ، ومعناه اختلط واضطرب ، قال أبو داود : مرج أمر الدين فأعددت له ، أي فسد أمر الدين ، ومن هذا الباب : مريج في قوله تعالى : فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ، أي ملتبس ، وهذا في رواية أبي ذر وحده - أعني قوله : مريج ملتبس . قوله : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اختلط البحران . هذا في رواية غير أبي ذر .

قوله : من مرجت دابتك بفتح الراء ، ومعناه تركتها ترعى ، وكان ينبغي أن يذكر هذا عقيب قوله : مرج الأمير رعيته إذا خلاهم يعدو بعضهم على بعضهم ؛ لأنه في معناه ، ولكن في هذا الموضع تقديم وتأخير ، بحيث يقع الالتباس في التركيب ، والمعنى أيضا والظاهر أن النساخ خلطوا مفتوح الراء بمكسور الراء . سَنَفْرُغُ لَكُمْ سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء أشار به إلى قوله تعالى : ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ وفسره بقوله : سنحاسبكم ، والفراغ مجاز عن الحساب ، ولا يشغل الله شيء عن شيء ، وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : هو وعيد من الله لعباده ، وليس بالله شغل . وقيل : معناه سنقصدكم بعد الإهمال ، ونأخذ في أمركم ، وعن ابن كيسان : الفراغ للفعل هو التوفر عليه دون غيره .

وهو معروف في كلام العرب : لأتفرغن لك وما به شغل ، يقول : لآخذنك على غرتك أي المعنى المذكور معروف ومستعمل في كلام العرب ، يقول القائل : لأتفرغن لك من باب التفعل من الفراغ ، وفسره بقوله يقول : لآخذنك على غرتك ، أي على غفلة منك ، وقال الثعلبي في قوله : سَنَفْرُغُ لَكُمْ هذا وعيد وتهديد من الله عز وجل كقول القائل : لأتفرغن لك وما به شغل قاله ابن عباس والضحاك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث