باب قوله ويؤثرون على أنفسهم
حدثني يعقوب بن إبراهيم بن كثير ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا فضيل بن غزوان ، حدثنا أبو حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه ، فلم يجد عندهن شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يضيف هذا الليلة يرحمه الله ، فقام رجل من الأنصار ، فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب إلى أهله ، فقال لامرأته : ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا ، قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية ، قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ، ونطوي بطوننا الليلة ، ففعلت ، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لقد عجب الله عز وجل أو ضحك من فلان وفلانة ، فأنزل الله عز وجل : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويعقوب بن إبراهيم بن كثير ضد القليل - الدورقي ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وأبو حازم سلمان الأشجعي . والحديث قد مر في فضل الأنصار في باب وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فإنه أخرجه هناك عن مسدد ، عن عبد الله بن داود ، عن فضيل بن غزوان إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : أتى رجل ذكر الواحدي أنه من أهل الصفة ، وفي الأوسط للطبراني أنه أبو هريرة .
قوله : الجهد ، أي المشقة والجوع . قوله : ألا رجل كلمة ألا للتحضيض والحث على شيء يفعله الرجل . قوله : يضيف بضم الياء من الإضافة .
قوله : فقام رجل من الأنصار قال الخطيب : هو أبو طلحة الأنصاري ، وقال ابن بشكوال : هو زيد بن سهل ، وأنكره النووي . وقيل عبد الله بن رواحة ، وقال المهدوي والنحاس : نزلت في أبي المتوكل وأن الضيف ثابت بن قيس . قولهما : نزلت في أبي المتوكل وهم فاحش ؛ لأن أبا المتوكل الناجي تابعي إجماعا .
قوله : هذا الليلة هذا إشارة إلى الرجل في قوله : أتى رجل والليلة نصب على الظرف ، ويروى هذه الليلة ، فالإشارة فيه إلى الليلة . قوله : يرحمه الله ، وفي رواية الكشميهني يضيف هذا رحمة بالتنوين . قوله : ضيف رسول الله ، أي هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله : لا تدخريه شيئا ، أي لا تمسكي عنه شيئا . قوله : الصبية بكسر الصاد جمع صبي . قوله : العشاء بفتح العين ، قوله : فنوميهم ، أي الصبية حتى لا يأكلوا شيئا ، وهذا يحمل على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل ، وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع مضر ؛ فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم ترك الأكل لكان إطعامهم واجبا يجب تقديمه على الضيافة ، وقال الكرماني : لعل ذلك كان فاضلا عن ضرورتهم .
قلت : فيه نظر ؛ لأنها صرحت بقولها : والله ما عندي إلا قوت الصبية ، والأحسن أن يقال : إنها كانت علمت صبرهم عن عشائهم تلك الليلة ؛ لأن الإنسان قد يصبر عن الأكل ساعة لا يتضرر به . قوله : ونطوي بطوننا الليلة ، أي نجمعها ، فإذا جاع الرجل انطوى جلد بطنه . قوله : عجب الله أو ضحك المراد من العجب والضحك ونحوهما في حق الله عز وجل لوازمها وغاياتها ؛ لأن التعجب حالة تحصل عند إدراك أمر غريب ، والضحك ظهور الأسنان عند أمر عجيب ، وكلاهما محالان على الله تعالى ، وقال الخطابي : إطلاق العجب لا يجوز على الله ، وإنما معناه الرضا ، وحقيقته أن ذلك الصنيع منهما حل من الرضا عند الله ، والقبول به ومضاعفة الثواب عليه محل العجب عندكم في الشيء التافه إذا رفع فوق قدره ، وأعطى به الأضعاف من قيمته قال : وقد يكون المراد بالعجب هنا أن الله تعالى يعجب ملائكته من صنيعهما ؛ لندور ما وقع منهما في العادة قال : وقال أبو عبد الله يعني البخاري : الضحك هنا الرحمة ، وتأويل الضحك بالرضا أقرب من تأويله بالرحمة ؛ لأن الضحك من الكرام يدل على الرضا ؛ فإنهم يوصفون بالبشر عند السؤال .
انتهى . وليس في النسخ التي في أيدي الناس ما نسبه الخطابي إلى البخاري باللفظ المذكور . والله أعلم .