حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

سورة الطلاق

حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، قال : حدثني عقيل عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أخبره أنه طلق امرأته ، وهي حائض ، فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها ، فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدة كما أمره الله مطابقته لما في السورة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعقيل بضم العين ابن خالد . قوله : فتغيظ ، أي غضب فيه ؛ لأن الطلاق في الحيض بدعة . قوله : فإن بدا له ، أي فإن ظهر له أن يطلقها ، وكلمة أن مصدرية .

قوله : طاهرا ، أي حال كونها طاهرة ، وإنما ذكره بلفظ التذكير ؛ لأن الطهر من الحيض من المختصات بالنساء ، فلا يحتاج إلى التاء ، كما في الحائض . قوله : قبل أن يمسها ، أي قبل أن يجامعها . قوله : فتلك العدة ، أي هي العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ؛ حيث قال : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ثم اعلم أن هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة ، عن ابن عمر ؛ فالبخاري أخرجه هنا ، وفي الطلاق ، وفي الأحكام ، والباقون في الطلاق ، وقال الترمذي ، وقد روي هذا الحديث من غير وجه ، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : رواه عن ابن عمر نافع وعبد الله بن دينار وأنس بن سيرين وطاوس ، وأبو الزبير وسعيد بن جبير ، وأبو وائل ؛ فرواية نافع عند الستة غير الترمذي ، ورواية عبد الله بن دينار عند مسلم ورواية أنس بن سيرين عند الشيخين ، ورواية طاوس عند مسلم والنسائي ، ورواية أبي الزبير عند مسلم وأبي داود والنسائي ، ورواية سعيد بن جبير عند النسائي ، ورواية أبي وائل عند ابن أبي شيبة في مصنفه .

ويستنبط منه أحكام : الأول أن طلاق السنة أن يكون في طهر ، وهذا باب اختلفوا فيه ؛ فقال مالك : طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة ، ثم يتركها حتى تنقضي العدة برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة ، وهو قول الليث والأوزاعي ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : هذا أحسن من الطلاق ، وله قول آخر قال : إذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر واحدة من غير جماع ، وهو قول الثوري وأشهب ، وزعم المرغيناني أن الطلاق على ثلاثة أوجه عند أصحاب أبي حنيفة حسن وأحسن وبدعي ؛ فالحسن هو طلاق السنة ، وهو أن يطلق المدخول بها ثلاثا في ثلاثة أطهار ، والأحسن أن يطلقها تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها ، والبدعي أن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة أو ثلاثا في طهر واحد ، فإذا فعل ذلك وقع الطلاق ، وكان عاصيا . وقال عياض : اختلف العلماء في صفة الطلاق السني ؛ فقال مالك وعامة أصحابه هو أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة في طهر لم يمسها فيه ، ثم يتركها حتى تكمل عدتها ، وبه قال الليث والأوزاعي ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : هذا أحسن الطلاق ، وله قول آخر أنه إن شاء أن يطلقها ثلاثا طلقها في كل طهر مرة ، وكلاهما عند الكوفيين طلاق سنة ، وهو قول ابن مسعود ، واختلف فيه قول أشهب ؛ فقال مثله مرة ، وأجاز أيضا ارتجاعها ، ثم يطلق ، ثم يرتجع ، ثم يطلق فيتم الثلاث ، وقال الشافعي وأحمد ، وأبو ثور ليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة ، وإنما ذلك في الوقت . الثاني : في قوله ليراجعها دليل على أن الطلاق غير البائن لا يحتاج إلى رضا المرأة .

الثالث فيه دليل على أن الرجعة تصح بالقول ، ولا خلاف في ذلك ، وأما الرجعة بالفعل فقد اختلفوا فيها ؛ فقال عياض : وتصح عندنا أيضا بالفعل الحال محل القول الدال في العبارة على الارتجاع كالوطء والتقبيل واللمس ، بشرط القصد إلى الارتجاع به ، وأنكر الشافعي صحة الارتجاع بالفعل أصلا ، وأثبته أبو حنيفة وإن وقع من غير قصد ، وهو قول ابن وهب من أصحابنا في الواطئ من غير قصد . والرابع استدل به أبو حنيفة أن من طلق امرأته ، وهي حائض فقد أثم ، وينبغي له أن يراجعها ، فإن تركها تمضي في العدة بانت منه بطلاق . الخامس : أن فيه الأمر بالمراجعة ؛ فقال مالك هذا الأمر محمول على الوجوب ، ومن طلق زوجته حائضا أو نفساء ، فإنه يجبر على رجعتها ، فسوى دم النفاس بدم الحيض ، وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يؤمر بالرجعة ولا يجبر ، وحملوا الأمر في ذلك على الندب ؛ ليقع الطلاق على السنة ، ولم يختلفوا في أنها إذا انقضت عدتها لا يجبر على رجعتها ، وأجمعوا على أنه إذا طلقها في طهر قد مسها فيه لا يجبر على رجعتها ولا يؤمر بذلك ، وإن كان قد أوقع الطلاق على غير سنة .

السادس أن الطلاق في الحيض محرم ، ولكنه إن أوقع لزم ، وقال عياض : ذهب بعض الناس ممن شذ أنه لا يقع الطلاق ، فإن قلت : ما الحكمة في منع الطلاق في الحيض ؟ قلت : هذه عبادة غير معقولة المعنى . وقيل : بل هو معال بتطويل العدة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث