حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

سورة الحاقة

سورة الحاقة . أي هذا في تفسير بعض سورة الحاقة ، وهي مكية في قول الجميع ، وقال السخاوي : نزلت قبل المعارج ، وبعد سورة الملك ، وهي ألف وأربعة وثمانون حرفا ، ومائتان وست وخمسون كلمة ، واثنتان وخمسون آية ، وفي مسند ابن عباس ، عن معاذ إنما سميت الحاقة ؛ لأن فيها حقائق الأعمال من الثواب ، والعقاب .

﴿بسم الله الرحمن الرحيم . ثبتت البسملة لأبي ذر وحده . حسوما متتابعة .

أشار به إلى قوله تعالى : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا وفسره بقوله : متتابعة ، وكذا فسره مجاهد ، وقتادة ، ومعنى متتابعة ليس فيها فترة ، وهو من حسم الكي ، وهو أن يتابع عليه بالمكواة ، وعن الكلبي دائمة ، وعن الضحاك كاملة لم تفتر عنهم حتى أفنتهم ، وعن الخليل قطعا لدابرهم ، والحسم القطع ، والمنع ، ومنه حسم الدواء وحسم الرضاع ، وانتصابه على الحال ، والقطع ، قاله الثعلبي ، وهذا لم يثبت إلا للنسفي وحده . وقال ابن جبير عيشة راضية يريد فيها الرضا . أي قال سعيد بن جبير في قوله تعالى : ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ يريد فيها الرضا ، أي ذات الرضا أراد به أنه من باب ذي كذا كتامر ولابن ، وعند علماء البيان هذا استعارة بالكناية ، وهذا لم يثبت إلا لأبي ذر ، والنسفي .

القاضية الموتة الأولى التي متها ، ثم أحيا بعدها . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ٢٧ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ أي ليت الموتة الأولى كانت القاطعة لأمري لن أحيا بعدها ، ولا يكون بعث ، ولا جزاء ، وقال قتادة : تمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت . قوله : ثم أحيا بعدها ، وفي رواية أبي ذر لم أحي بعدها ، وهذه هي الأصح ، والظاهر أن الناسخ صحف لم بثم .

من أحد عنه حاجزين أحد يكون للجمع وللواحد . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ الضمير في عنه يرجع إلى القتل ، وقيل : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجزون عن القاتل ، قاله النسفي في ( تفسيره ) وغرض البخاري في بيان أن لفظ أحد يصلح للجمع وللواحد ؛ وذلك لأنه نكرة وقع في سياق النفي . قوله : للجمع ، ويروى للجميع .

وقال ابن عباس الوتين نياط القلب . أي قال ابن عباس في قوله تعالى عز وجل : ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ أي نياط القلب بكسر النون ، وتخفيف الياء آخر الحروف ، وهو حبل الوريد إذا قطع مات صاحبه ، وتعليق ابن عباس وصله ابن أبي حاتم من حديث سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد ، عنه . قال ابن عباس : طغى كثر ، ويقال : بالطاغية بطغيانهم ، ويقال : طغت على الخزان كما طغى الماء على قوم نوح صلى الله عليه وسلم .

أي قال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ وفسر طغا بقوله : كثر ، وعن قتادة طغى الماء عتى فخرج بلا وزن ، ولا كيل ، وطغا فوق كل شيء خمسة عشر ذراعا ، والجارية السفينة . قوله : ويقال بالطاغية هو مصدر نحو الجاثية ، فلذلك فسره بقوله : بطغيانهم ، وقيل : الطاغية صفة موصوفها محذوف تقديره : وأما ثمود فأهلكوا بأفعالهم الطاغية ، يقال : طغا يطغو ، ويطغى طغيانا إذا جاوز الحد في العصيان ، فهو طاغ ، وهي طاغية ، وتستعمل هذه المادة في معان كثيرة ، يقال : طغا الرجل إذا جاوز الحد ، وطغا البحر إذا هاج ، وطغا السيل إذا كثر ماؤه ، وطغى الدم إذا نبع ، وغير ذلك ، وهاهنا ذكر أنه استعمل لمعان ثلاثة ، الأول : بمعنى الكثرة أشار إليه بقوله : وقال ابن عباس طغا كثر ، وهو في قضية قوم نوح صلى الله عليه وسلم ، والثاني : بمعنى مجاوزة الحد في العصيان ، وذلك في قوله : ويقال : بالطاغية ، وقد ذكرناه ، وهو في قوم ثمود ، والثالث : بمعنى مجاوزة الريح حده أشار إليه بقوله : ويقال : طغت على الخزان ، وهو في قضية قوم عاد ، وهو قوله تعالى : ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ وقوله : طغت ، أي الريح خرجت بلا ضبط من الخزان ، وهو جمع خازن ، وللريح خزان لا ترسلها إلا بمقدار ، وأما عاد لما عتوا فأرسل الله عليهم ريحا عاتية ، يعني : عتت على خزانها ، فلم تطعهم ، وجاوزت الحد ، وذلك بأمر الله تعالى ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسل الله ريحا إلا بمكيال ، ولا قطرة من الماء إلا بمكيال ، إلا قوم عاد ، وقوم نوح عليه الصلاة والسلام طغيا على الخزان ، فلم يكن لهم عليهما سبيل ، وقال بعضهم : لم يظهر لي فاعل طغت ؛ لأن الآية في حق ثمود وهم قد أهلكوا بالصيحة ، ولو كانت عادا لكان الفاعل الريح ، وهي لها الخزان . انتهى، قلت : ظهر لغيره ما لم يظهر له لقصوره ، والآية في حق عاد كما ذكرناه وهم أهلكوا بريح صرصر عاتية عتت على خزانها ، وأما ثمود فقد أهلكوا بالطاغية كما قال الله تعالى ، وقد فسر المفسرون الطاغية بالطغيان ، وهو المجاوزة عن الحد ، وعن مجاهد ، وابن زيد أهلكوا بأفعالهم الطاغية ، ودليله قوله تعالى : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا والطغوى بمعنى الطغيان ، وقول هذا القائل إن الآية في حق ثمود وهم قد أهلكوا بالصيحة قول روي عن قتادة ، فإنه قال : يعني الصيحة الطاغية التي جاوزت مقادير الصياح ، وكلام البخاري على قول غيره كما ذكرناه فافهم ، ولو كان مراده على قول قتادة فلا مانع أن يكون فاعل طغت الصيحة ، ويكون المعنى خرجت الصيحة من صائحها وهم خزانها في الحقيقة بلا مقدار بحيث إنها جاوزت مقادير الصياح كما في قول قتادة .

وغسلين ما يسيل من صديد أهل النار . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ وفسره بقوله : يسيل من صديد أهل النار ، وهو قول الفراء ، قال الثعلبي : كأنه غسالة جروحهم وقروحهم ، وعن الضحاك ، والربيع هو شجر يأكله أهل النار ، وهذا ثبت للنسفي وحده . وقال غيره : من غسلين كل شيء غسلته فخرج منه شيء ، فهو غسلين ، فعلين من الغسل من الجرح ، والدبر .

هذا أيضا للنسفي وحده . قوله : وقال غيره يدل على أن قبل قوله : وغسلين ، وقال الفراء ، وغيره : وقد سقط من الناسخ ، ويكون معنى قوله : وقال غيره ، أي غير الفراء ، وإن لم يقدر شيء هناك لا يستقيم الكلام ، فافهم . أعجار نخل أصولها .

أشار به إلى قوله تعالى : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ وفسر الإعجاز بالأصول ، وخاوية ساقطة ، هذا أيضا للنسفي وحده . باقية بقية . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ أي بقية ، وهذا أيضا للنسفي وحده ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث