باب ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا
حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام ، عن ابن جريج ، وقال عطاء : عن ابن عباس رضي الله عنهما صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ، أما ود ، فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع ، فكانت لهذيل ، وأما يغوث ، فكانت لمراد ، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ ، وأما يعوق ، فكانت لهمدان ، وأما نسر ، فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا ، وسموها بأسمائهم ففعلوا ، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت . مطابقته للترجمة ظاهرة وهشام هو ابن يوسف الصنعاني ، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعطاء هو الخراساني ، وليس بعطاء بن أبي رباح ، ولا بعطاء بن يسار ، قاله الغساني ، وقال : ابن جريج أخذه من كتاب عطاء لا من السماع منه ، ولهذا قيل : إنه منقطع ؛ لأن عطاء الخراساني لم يلق ابن عباس ، وقال أبو مسعود : ظن البخاري أنه ابن أبي رباح ، وابن جريج لم يسمع التفسير من الخراساني ، وإنما أخذ الكتاب من ابنه ونظر فيه ، وروي عن صالح بن أحمد ، عن ابن المديني ، قال : سألت يحيى بن سعيد عن أحاديث ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، فقال : ضعيف ، فقلت ليحيى : إنه كان يقول : أخبرنا ، قال : لا شيء كله ضعيف إنما هو كتاب دفعه إليه ابنه ، وقيل في معاضدة البخاري في هذا إنه بخصوصه عند ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، وعن عطاء بن أبي رباح جميعا ، ولا يخفى على البخاري ذلك مع تشدده في شرط الاتصال ، واعتماده عليه ، ويؤيد هذا أنه لم يكثر من تخريج هذا ، وإنما ذكره بهذا الإسناد في موضعين هذا ، والآخر في النكاح ، ولو كان يخفى عليه ذلك لاستكثر من إخراجه ؛ لأن ظاهره على شرطه . انتهى، قلت : فيه نظر لا يخفى ؛ لأن تشدده في شرط الاتصال لا يستلزم عدم الخفاء عليه أصلا ، فسبحان من لا يخفى عليه شيء .
وقوله : على ظاهره على شرطه ليس بصحيح ؛ لأن الخراساني من أفراد مسلم كما ذكر في موضعه . قوله : الأوثان جمع وثن ، وفي ( المغرب ) الوثن ما له جثة من خشب ، أو حجر ، أو فضة ، أو جوهر ينحت ، وكانت العرب تنصب الأوثان وتعبدها . قوله : في العرب بعد بضم الدال ، أي بعد كون الأوثان في قوم نوح عليه الصلاة والسلام كانت في العرب ، وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة كانت الأوثان آلهة يعبدها قوم نوح عليه الصلاة والسلام ، ثم عبدتها العرب بعد ، وعن أبي عبيدة زعموا أنهم كانوا مجوسا ، وأنها غرقت في الطوفان ، فلما نضب الماء عنها أخرجها إبليس عليه اللعنة فبثها في الأرض ، قيل : قوله : كانوا مجوسا غير صحيح ؛ لأن المجوسية نخلة ظهرت بعد ذلك بدهر طويل .
قوله : أما ود شرع في تفصيل هذه الأوثان وبيانها بقوله : أما بكلمة التفصيل . قوله : لكلب ، وقد ذكرنا عن قريب أن كلبا هو ابن وبرة بن تغلب . قوله : بدومة الجندل بضم الدال ، والجندل بفتح الجيم وسكون النون مدينة من الشام مما يلي العراق ، ويقال : بين المدينة ، والشام ، والعراق ، وفيها اجتمع الحكمان .
قوله : لهذيل مصغر الهذل قبيلة ، وهو ابن مدركة بن إلياس بن مضر . قوله : لمراد بضم الميم ، وتخفيف الراء المهملة أبو قبيلة من اليمن . قوله : ثم لبني غطيف بضم الغين المعجمة ، وفتح الطاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره فاء ، وهو بطن من مراد ، وهو غطيف بن عبد الله بن ناجية بن مراد .
قوله : بالجوف بفتح الجيم ، وسكون الواو ، وبالفاء ، وهو المطمئن من الأرض ، وقيل : هو واد باليمن ، وفي رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بفتح الحاء المهملة ، وسكون الواو ، وفي رواية له عن الكشميهني بالجرف بضم الجيم ، والراء ، وقال ياقوت : ورواية الحميدي بالراء ، وفي رواية النسفي بالجون بالجيم ، والواو ، والنون ، وقال أبو عثمان : رأيته كان من رصاص على صورة أسد . قوله : عند سبأ هذا في رواية غير أبي ذر ، وقال ابن الأثير : سبأ اسم مدينة بلقيس ، وقيل : هو اسم رجل ولد منه عامة قبائل اليمن ، وكذا جاء مفسرا في الحديث ، وسميت المدينة به . قوله : لهمدان بسكون الميم ، وإهمال الدال قبيلة ، وأما مدينة همذان التي هي مدينة من بلاد عراق العجم ، فهي بفتح الميم ، والذال المعجمة .
قوله : لحمير بكسر الحاء المهملة ، وسكون الميم ، وفتح الياء آخر الحروف أبو قبيلة . قوله : لآل ذي كلاع بفتح الكاف ، وتخفيف اللام ، وبالعين المهملة ، وهو اسم ملك من ملوك اليمن . قوله : أسماء رجال ، أي هذه الخمسة أسماء رجال صالحين ، قاله الكرماني ، وقدر مبتدأ محذوفا ، وهو قوله : هذه الخمسة ، ويكون ارتفاع أسماء رجال على الخبرية ، قال : ويروى ونسر اسما ، ثم قال : والمراد نسر وأخواته أسماء رجال صالحين ، وقيل : وسقط لفظ ونسر لغير أبي ذر .
قوله : فلما هلكوا ، أي فلما مات الصالحون ، وكان مبدأ عبادة قوم نوح عليه الصلاة والسلام هذه الأصنام بعد هلاكهم ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك . قوله : أنصابا جمع النصب ، وهو ما ينصب لغرض كالعبادة . قوله : وسموها ، أي هذه الأصنام بأسماء الصالحين المذكورين .
قوله : فلم تعبد هذه الأصنام حتى إذا هلك أولئك الصالحون . قوله : وتنسخ بلفظ الماضي من التفعيل ، أي تغير علمهم بصورة الحال ، وزالت معرفتهم بذلك ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني ونسخ العلم ، فحينئذ عبدت على صيغة المجهول ، وحاصل المعنى أنهم لما ماتوا وتغيرت صورة الحال ، وزالت معرفتهم جعلوها معابيد بعد ذلك .