سورة هل أتى على الإنسان
سورة هل أتى على الإنسان أي هذا في تفسير بعض سورة هل أتى على الإنسان ، وهي مكية ، قاله قتادة ، والسدي ، وسفيان ، وعن الكلبي أنها مكية إلا آيات ، ويطعمون الطعام على حبه ، إلى قوله : قمطريرا ، ويذكر عن الحسن أنها مكية ، وفيها آية مدنية ، ولا تطع منهم آثما أو كفورا ، وقيل : ما صح في ذلك قول الحسن ، ولا الكلبي ، وجاءت أخبار فيها أنها نزلت بالمدينة في شأن علي وفاطمة ، وابنيهما رضي الله تعالى عنهم ، وذكر ابن النقيب أنها مدنية كلها ، قاله الجمهور ، وقال السخاوي : نزلت بعد سورة الرحمن وقبل الطلاق ، وهي ألف وأربعة وخمسون حرفا ، ومائتان وأربعون كلمة ، وإحدى وثلاثون آية .
﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾. ثبتت البسملة لأبي ذر . يقال : معناه أتى على الإنسان ، وهل تكون جحدا وتكون خبرا ، وهذا من الخبر يقول كان شيئا ، فلم يكن مذكورا ، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن ينفخ فيه الروح .
القائل فيه بذلك الفراء . قوله : معناه أتى على الإنسان يدل على أن لفظ هل صلة ولكن لم يقل أحد إن هل قد تكون صلة . قوله : وهل تكون جحدا ، يعني : نفيا ، وتكون خبرا ، يعني : إثباتا ، يعني : يخبر به عن أمر مقرر ، ويكون هل حينئذ بمعنى قد للتحقيق ، وأشار إليه بقوله : وهذا من الخبر ، أراد به أن هل هنا ، يعني : في قوله تعالى : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ بمعنى قد ، ومعناه قد أتى على الإنسان وأريد به آدم عليه الصلاة والسلام ، وقال الزمخشري : إن هل أتى أبد بمعنى قد ، وإن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدرة معها ونقله في ( المفصل ) عن سيبويه ، فقال : وعند سيبويه أن هل بمعنى قد إلا أنهم تركوا الألف قبلها لأنها لا تقع إلا في الاستفهام ، قوله : حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أربعون سنة ملقى بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح .
قوله : لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا لا يذكر ، ولا يعرف ، ولا يدرى ما اسمه ، ولا ما يراد به ، والمعنى أنه كان شيئا لكنه لم يكن مذكورا ، يعني : انتفاء هذا المجموع بانتفاء صفته لا بانتفاء الموصوف ، ولا حجة فيه للمعتزلة في دعواهم أن المعدوم شيء ، ووقع في بعض النسخ ، وقال يحيى : معناه أتى على الإنسان إلى آخره ، ويحيى هذا هو ابن زياد بن عبد الله بن منصور الديلمي الفراء ، صاحب كتاب معاني القرآن ، وقال بعضهم : هو صواب ؛ لأنه قول يحيى بن زياد الفراء بلفظه، قلت : دعوى الصواب غير صحيحة ؛ لأنه يجوز أن يكون هذا قول غيره كما هو قوله : ولم يطلع البخاري على أنه قول الفراء وحده ، فلذلك قال : يقال : معناه ، أو اطلع أيضا على قول غيره مثل قول الفراء ، فذكر بلفظ يقال ليشمل كل من قال بهذا القول ، فافهم . أمشاج الأخلاط ماء المرأة وماء الرجل الدم ، والعلقة ، ويقال : إذا خلط مشيج كقولك : له خليط ، وممشوج مثل مخلوط . أشار به إلى قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ وفسر الأمشاج بقوله : الأخلاط ، والأمشاج جمع مشج بفتح الميم وكسرها ، وقال الثعلبي : الأمشاج بناء جمع ، وهو في معنى الواحد ؛ لأنه نعت للنطفة ، وهذا كما يقال : برمة أعشار وثوب أخلاق .
قوله : ماء المرأة وماء الرجل تفسير الأخلاط يختلط الماءان في الرحم ، فيكون منهما جميعا الولد وماء الرجل أبيض غليظ ، وماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له ، كذا روي عن ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، ومجاهد ، والربيع . قوله : الدم ، والعلقة تقديره : ثم الدم ، ثم العلقة ، ثم المضغة ، ثم اللحم ، ثم العظم ينشئه الله تعالى خلقا آخر . قوله : ويقال : إذا خلط ، يعني : إذا خلط شيء بشيء ، يقال له : مشيج على وزن فعيل بمعنى ممشوج ، أي مخلوط ، يقال : مشجت هذا بهذا ، أي خلطته .
سلاسلا وأغلالا . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالا وَسَعِيرًا ﴾أعتدنا هيأنا ، والسلاسل جمع سلسلة كل سلسلة سبعون ذراعا ، والأغلال جمع غل بالضم فالسلاسل في أعناقهم ، والأغلال في أيديهم ، والسعير يوقدون فيه لا يطفى ، وقيل : السلاسل القيود وقرأ نافع ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم سلاسلا بالتنوين ، وهي رواية هشام عن أهل الشام ، وقرأ حمزة ، وخلف ، وحفص ، وابن كثير ، وأبو عمرو بالفتحة بلا تنوين . ولم يجر بعضهم .
بضم الياء ، وسكون الجيم ، وبالراء من الإجراء أراد به لم يصرف بعضهم سلاسل ، يعني : لا يدخلون فيه التنوين ، وهذا على الاصطلاح القديم يقولون اسم مجرى ، واسم غير مجرى ، يعني : اسم مصروف ، واسم لا ينصرف ، وذكر عياض أنه في رواية الأكثرين لم يجز بالزاي ، أي بدل الراء ، وقال بعضهم : وهو الأوجه ، ولم يبين وجه الأوجهية ، بل بالراء أوجه على ما لا يخفى . مستطيرا ممتدا البلاء . أشار به إلى قوله تعالى : وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وفسره بقوله : ممتدا البلاء ، وكذا فسره الفراء ، ويقال : ممتدا فاشيا ، يقال : استطار الصدع في الزجاجة ، واستطال إذا اشتد .
والقمطرير الشديد ، يقال : يوم قمطرير ، ويوم قماطر ، والعبوس ، والقمطرير ، والقماطر ، والعصيب أشد ما يكون من الأيام في البلاء . أشار به إلى قوله عز وجل : ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾والباقي ظاهر ، وقماطر بضم القاف ، وعن ابن عباس العبوس الضيق ، والقمطرير الطويل ، وعن مجاهد القمطرير الذي يقلص الوجوه ، ويقنص الحياة ، وما بين الأعين من شدته ، وعن الكسائي ، يقال : اقمطر اليوم وازمهر اقمطرارا وازمهرارا ، وهو الزمهرير . وقال الحسن : النضرة في الوجه ، والسرور في القلب .
أي قال الحسن البصري في قوله تعالى وتعظم : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا إن النضرة في الوجه ، والسرور في القلب ، ولم يثبت هذا إلا للنسفي ، والجرجاني . وقال ابن عباس : الأرائك السرر . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ وفسرها بالسرر جمع سرير ، وقال الثعلبي : الأرائك السرر في الحجال لا يكون أريكة إلا إذا اجتمعا ، وهي لغة أهل اليمن ، وقال مقاتل : الأرائك السرر في الحجال من الدر ، والياقوت ، موضونة بقضبان الدر ، والذهب ، والفضة ، وألوان الجواهر ، ولم يثبت هذا أيضا إلا للنسفي ، والجرجاني .
وقال البراء : وذللت قطوفها يقطفون كيف شاءوا . أي قال البراء في قوله تعالى : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا يقطفون كيف شاءوا . قوله : قطوفها ، أي ثمارها يقطفون ، أي يقطعون منها قياما وقعودا ، ومضطجعين يتناولونها كيف شاءوا ، وعلى أي حال كانوا ، ولم يثبت هذا إلا للنسفي وحده .
وقال معمر : أسرهم شدة الخلق ، وكل شيء شددته من قتب ، أو غبيط ، فهو مأسور . أي قال معمر بن المثنى أبو عبيدة ، أو معمر بن راشد في قوله تعالى : نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ الآية وسقط هذا لأبي ذر عن المستملي وحده ، وفسر الأسر بشدة الخلق ، ويقال للفرس شديد الأسر ، أي شديد الخلق . قوله : أو غبيط بفتح الغين المعجمة ، وكسر الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره طاء مهملة ، وهو رحل النساء يشد عليه الهودج ، والجمع غبط بضمتين ، وظن بعضهم أنه معمر بن راشد ، وزعم أن عبد الرزاق أخرجه في تفسيره عنه، قلت : يريد به شيخه صاحب التوضيح ، فإنه قال بعد قوله : وقال معمر إلى آخره ، وأخرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، وذكره عن مجاهد ، وغيره ، والظاهر أنه معمر بن راشد ؛ لأنه روى عن قتادة نحوه ، وأيضا فالبخاري أخرج في التفسير عن أبي عبيدة معمر بن المثنى في مواضع كثيرة ، ولم يصرح باسمه فما باله هنا صرح به وأراد به ابن المثنى ، وليس إلا معمر بن راشد .