حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله

( باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله )

108 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول : شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، وقال الكرماني : الزهري يروي عن الرجلين كلاهما أعرج واسمهما عبد الرحمن ، أحدهما عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي والثاني عبد الرحمن بن سعد المخزومي ، والظاهر أن هذا هو الأول لا الثاني ، وفي رجال البخاري أعرج آخر ثالث يروي عن أبي هريرة اسمه ثابت بن عياض القرشي ويقال له الأحنف ، قلت : كان الكرماني يستغرب هذا حتى ذكره ، ومثل هذا الذي تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم في الرواة كثير فيحصل التمييز بينهم بالقرائن .

والحديث أخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى وغيره ، وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن القعنبي عن مالك به ، وأخرجه النسائي في الوليمة عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه في النكاح عن علي بن محمد الطنافسي ، وهذا موقوف على أبي هريرة ، وقال أبو عمران : جل رواة مالك لم يصرحوا برفعه وقال : فيه روح بن القاسم عن مالك بسنده ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذا أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن مالك ، وقال ابن بطال : أول هذا الحديث موقوف وآخره يقتضي رفعه ؛ لأن مثله لا يكون رأيا
. قوله : ( شر الطعام ) قال الكرماني : ما معنى قوله شر مطلقا وقد يكون بعض الأطعمة شرا منها ثم أجاب بأن المراد شر أطعمة الولائم طعام وليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ، وقال القاضي البيضاوي : أي من شر الطعام كما يقال شر الناس من أكل وحده ، أي من شرهم ، وإنما سماه شرا لما ذكر عقيبه فكأنه قال : شر الطعام طعام الوليمة التي شأنها ذلك . وقال الطيبي شيخ شيخي : التعريف في الوليمة للعهد الخارجي إذ كان من عادتهم دعوة الأغنياء وترك الفقراء .

قوله : ( يدعى ) إلى آخره استئناف بيان لكونها شر الطعام فلا يحتاج إلى تقدير من ؛ لأن الرياء شرك خفي ، قوله : ( ومن ترك الدعوة ) حال والعامل يدعى يعني يدعى الأغنياء لها والحال أن الإجابة واجبة فيجيب المدعو ويأكل شر الطعام ، ووقع في لفظ مسلم : " بئس الطعام طعام الوليمة " وفي لفظ له مثل لفظ البخاري قوله : " ويترك الفقراء " وفي رواية الإسماعيلي من طريق معن بن عيسى عن مالك : المساكين بدل الفقراء ، قوله : ( ومن ترك الدعوة ) وفي لفظ مسلم : " فمن لم يأت الدعوة " وفي لفظ : " ومن لم يجب الدعوة " ، قوله : ( يدعى لها ) ويروى : يدعى إليها ، والجملة حالية ، وفي رواية ثابت الأعرج : يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ، وفي رواية الطبراني من حديث ابن عباس : بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان ويحبس عنه الجيعان . قوله : ( ومن ترك الدعوة ) أي إجابة الدعوة ، وقد مضى الكلام فيه في الترجمة ووقع في رواية لابن عمر : " من دعي إلى وليمة فلم يأتها فقد عصى الله ورسوله " فهذا دليل وجوب الإجابة ؛ لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب . وقال ابن بطال : لا خلاف بين الصحابة والتابعين في وجوب الإجابة إلى دعوة الوليمة إلا ما روي عن ابن مسعود أنه قال : نهينا أن نجيب دعوة من يدعو الأغنياء ويترك الفقراء .

وقد دعا ابن عمر في دعوته الأغنياء والفقراء فجاءت قريش والمساكين معهم فقال ابن عمر للمساكين : هاهنا اجلسوا لا تفسدوا عليهم ثيابهم فإنا سنطعمكم مما يأكلون ، وقال ابن حبيب : ومن فارق السنة في وليمة فلا دعوة له ولا معصية في ترك إجابته ، وقد حدثني ابن المغيرة أنه سمع سفيان الثوري يقول : إنما تفسير إجابة الدعوة إذا دعاك من لا يفسد عليك دينك ولا قلبك . وقال الكرماني : فإن قلت أوله أي أول الحديث مرغب عن حضور الوليمة بل محرم وآخره مرغب فيه بل موجب ، قلت : الإجابة ج٢٠ / ص١٦١لا تستلزم الأكل فيحضر ولا يأكل فالترغيب في الإجابة والتحذير عن الأكل انتهى ، قلت : المحرم فعل صاحب الطعام وليس يحرم الطعام لدعوة الأغنياء وترك الفقراء ، وروي عن أبي هريرة أنه كان يقول : أنتم العاصون في الدعوة تدعون من لا يأتي وتدعون من يأتيكم . وقوله : والتحذير عن الأكل فيه نظر ؛ لأن الأكل مأمور به إلا إذا كان صائما لحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم : " إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل " أي فليدع وفعله ابن عمر ومد يده وقال : باسم الله كلوا ، فلما مد القوم أيديهم قال : كلوا فإني صائم .

وقال قوم : ترك الأكل مباح وإن لم يصم إذا أجاب الدعوة وقد أجاب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ولم يأكل ، قلت : إباحة ترك الأكل على زعم هؤلاء القوم لا يستلزم التحذير عنه كما قاله الكرماني فيما مضى الآن والترغيب عن الأكل ، ويمكن أن عليا ترك الأكل لكونه صائما ، وهذا ابن عمر صرح بأنه صائم وتركه الأكل كان لكونه صائما لا لوجوب التحذير عنه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث